زلزالها المخصوص الذي يستحقه ويقتضيه جرمها وعظمها . قرأ الجمهور " زلزالها " بكسر الزاي ، وقرأ الجحدري
وعيسى بفتحها ، وهما مصدران بمعنى ، وقيل المكسور مصدر والمفتوح اسم . قال القرطبي : والزلزال بالفتح مصدر
كالوسواس والقلقال . ( وأخرجت الأرض أثقالها ) أي ما في جوفها من الأموات والدفائن ، والأثقال جمع ثقل ،
قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها . قال
مجاهد : أثقالها موتاها تخرجهم في النفخة الثانية ، وقد قيل للإنس والجن الثقلان ، وإظهار الأرض في موضع
الإضمار لزيادة التقرير ( وقال الإنسان مالها ) أي قال كل فرد من أفراد الإنسان ما لها زلزلت ؟ لما يدهمه من أمرها
ويبهره * من خطبها ، وقيل المراد بالإنسان الكافر ، وقوله : مالها مبتدأ وخبر ، وفيه معنى التعجيب : أي أي شئ
لها ، أو لأي شئ زلزلت . وأخرجت أثقالها ؟ وقوله ( يومئذ ) بدل من إذا ، والعامل فيهما قوله ( تحدث أخبرها )
ويجوز أن يكون العامل في إذا محذوفا والعامل في يومئذ تحدث ، والمعنى : يوم إذا زلزلت وأخرجت تخبر
بأخبارها وتحدثهم بما عمل عليها من خير وشر ، وذلك إما بلسان الحال حيث يدل على ذلك دلالة ظاهرة ، أو
بلسان المقال ، بأن ينطقها الله سبحانه . وقيل هذا متصل بقوله ( وقال الإنسان مالها ) أي قال مالها ( تحدث
أخبارها ) متعجبا من ذلك ، وقال يحيى بن سلام : تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها ، وقيل تحدث بقيام
الساعة ، وأنها قد أتت وأن الدنيا قد انقضت . قال ابن جرير : تبين أخبارها بالرجفة والزلزلة وإخراج الموتى ،
ومفعول تحدث الأول محذوف والثاني هو أخبارها : أي تحدث الخلق أخبارها ( بأن ربك أوحى لها ) متعلق
بتحدث ، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها ، وقيل الباء زائدة ، وأن وما في حيزها بدل من أخبارها ، وقيل الباء
سببية : أي بسبب إيحاء الله إليها . قال الفراء : تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها ، واللام في أوحى لها بمعنى إلى
وإنما أثرت على إلى لموافقة الفواصل ، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى ، كذا قال أبو عبيدة . وقيل إن أوحى
يتعدى باللام تارة ، وبإلى أخرى ، وقيل إن اللام على بابها من كونها للعلة ، والموحى إليه محذوف ، وهو
الملائكة ، والتقدير : أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض : أي لأجل ما يفعلون فيها ، والأول أولى ( يومئذ يصدر
الناس أشتاتا ) الظرف إما بدل من يومئذ الذي قبله ، وإما منصوب بمقدر هو أذكر ، وإما منصوب بما بعده ،
والمعنى : يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتا : أي متفرقين ، والصدر : الرجوع
وهو ضد الورود ، وقيل يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار ، وانتصاب أشتاتا على الحال : والمعنى :
أن بعضهم آمن وبعضهم خائف ، وبعضهم بلون أهل الجنة وهو البياض ، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد ،
وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال ، مع تفرقهم في الأديان واختلافهم في الأعمال ( ليروا
أعمالهم ) متعلق بيصدر ، وقيل فيه تقديم وتأخير : أي تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم ( يومئذ
يصدر الناس أشتاتا ) . قرأ الجمهور " ليروا " مبنيا للمفعول ، وهو من رؤية البصر : أي ليريهم الله أعمالهم . وقرأ
الحسن والأعرج وقتادة وحماد بن سلمة ونصر بن عاصم وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل ، ورويت هذه
القراءة عن نافع ، والمعنى : ليروا جزاء أعمالهم ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) أي وزن نملة ، وهي أصغر ما يكون
من النمل . قال مقاتل : فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه فيفرح به ، ( و ) كذلك ( من
يعمل ) في الدنيا ( مثقال ذرة شرا يره ) يوم القيامة فيسوؤه ، ومثل هذه الآية قوله - إن الله لا يظلم مثقال ذرة - .
وقال بعض أهل اللغة : إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق من التراب فهو الذرة ، وقيل
الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ، والأول أولى ، ومنه قول امرئ القيس :
فتح القدير — صفحة 479
مساهمون: الشوكاني
ص٤٧٩