صلى الله عليه وآله وسلم نرى أنه ليس شئ من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
ولا تبطلوا أعمالكم ) فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش
فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك ، حتى نزلت هذه الآية - إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء - فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك ، وكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب
منها شيئا رجوناه . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( يتركم ) قال : يظلمكم . وأخرج سعيد بن منصور
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه قال : لما نزلت ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) قالوا من
هؤلاء وسلمان إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال : هم الفرس هذا وقومه . وفي إسناده مسلم بن
خالد الزنجي وقد تفرد به ، وفيه مقال معروف . وأخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير
وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط ، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال " تلا رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم هذه الآية ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) فقالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم
لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على منكب سلمان ثم قال : هذا وقومه ، والذي
نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " وفي إسناده أيضا مسلم بن خالد الزنجي . وأخرج
ابن مردويه من حديث جابر نحوه .
تفسير سورة الفتح
هي تسع وعشرون آية ، وهي مدنية
قال القرطبي : بالإجماع . وقد أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت
سورة الفتح بالمدينة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله . وأخرج ابن إسحاق والحاكم وصححه والبيهقي في
الدلائل عن المسور بن مخرمة ومروان قالا : نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها
وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية ، لأن المراد بالسور المدنية النازلة بعد الهجرة من مكة . وأخرج البخاري
ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مغفل قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح في مسيرة سورة الفتح
على راحلته فرجع فيها . وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان
يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا ، فسأله عمر عن شئ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب : هلكت أم عمر نزرت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك ، فقال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن
ينزل في قرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فقلت : لقد خشيت أن يكون قد نزل في قرآن ، فجئت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلمت عليه ، فقال : لقد أنزلت على سورة لهي أحب إلى مما طلعت عليه
الشمس ، ثم قرأ ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) " وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال : لما نزلت
( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) الآية إلى قوله ( فوزا عظيما ) مرجعه من الحديبية وهم مخالطهم الحزن والكآبة ، وقد
نحروا الهدى بالحديبية فقال " لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا جميعها " .
فتح القدير — صفحة 43
مساهمون: الشوكاني
ص٤٣