( فلعرفتهم بسيماهم ) أي بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها . قال الزجاج : المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين
علامة ، وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة ، والفاء لترتيب المعرفة على الإراءة ، وما بعدها معطوف على جواب لو
وكررت في المعطوف للتأكيد ، وأما اللام في قوله ( ولتعرفنهم في لحن القول ) فهي جواب قسم محذوف . قال
المفسرون : لحن القول فحواه ومقصده ومغزاه وما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين ، وكان بعد هذا
لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه . قال أبو زيد : لحنت له اللحن : إذا قلت له قولا يفقهه عنك ويخفي على غيره ،
ومنه قول الشاعر :
منطق صائب وتلحن أحيانا * وخير الكلام ما كان لحنا
أي أحسنه ما كان تعريضا يفهمه المخاطب ولا يفهمه غيره لفطنته وذكائه ، وأصل اللحن إمالة الكلام إلى
نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض ( والله يعلم أعمالكم ) لا تخفي عليه منها خافية فيجازيكم بها ، وفيه وعيد شديد
( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) أي لنعاملنكم معاملة المختبر ، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى
نعلم من امتثل الأمر بالجهاد وصبر على دينه ومشاق ما كلف به . قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة بالنون ، وقرأ أبو بكر
عن عاصم بالتحتية فيها كلها ، ومعنى ( ونبلو أخباركم ) نظهرها ونكشفها امتحانا لكم ليظهر للناس من أطاع ما أمره
الله به ، ومن عصى ، ومن لم يمتثل . وقرأ الجمهور " ونبلو " بنصب الواو عطفا على قوله " حتى نعلم " وروى ورش
عن يعقوب إسكانها على القطع عما قبله .
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله
تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم بحقو الرحمن ، فقال مه ، قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة
قال : نعم أترضى أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت بلى . قال : فذلك لك ، ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم : اقرءوا إن شئتم ( فهل عسيتم ) الآية إلى قوله ( أم على قلوب أقفالها ) " والأحاديث في صلة
الرحم كثيرة جدا . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) قال : هم أهل النفاق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) قال :
أعمالهم خبثهم والحسد الذي في قلوبهم ، ثم دل الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد على المنافقين فكان
يدعو باسم الرجل من أهل النفاق . وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله ( ولتعرفنهم
في لحن القول ) قال : ببغضهم علي بن أبي طالب .
فتح القدير — صفحة 40
مساهمون: الشوكاني
ص٤٠