بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر ونمضي ندخل الجنة فأنزل الله ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) يعني
ما جعلنا المدبرين لأمر النار القائمين بعذاب من فيها إلا ملائكة ، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم ، فكيف تتعاطون
أيها الكفار مغالبتهم . وقيل جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المخلوقين من الجن والإنس ، فلا يأخذهم ما يأخذ
المجالس من الرقة والرأفة ، وقيل لأنهم أقوم خلق الله بحقه والغضب له ، وأشدهم بأسا وأقواهم بطشا ( وما جعلنا
عدتهم إلا فتنة ) أي ضلالة ( للذين ) استقلوا عددهم ومحنة لهم ، والمعنى : ما جعلنا عددهم هذا العدد المذكور في
القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم ، حتى قالوا ما قالوا ليتضاعف عذابهم ويكثر غضب الله عليهم . وقيل معنى إلا فتنة إلا
عذابا كما في قوله - يوم هم على النار يفتنون - أي يعذبون ، واللام في قوله ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) متعلق
بجعلنا ، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى لموافقة ما نزل من القرآن بأن عدة خزنة جهنم تسعة عشر لما عندهم .
قاله قتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم ، والمعنى : أن الله جعل عدة الخزنة هذه العدة ليحصل اليقين لليهود
والنصارى بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لموافقة ما في القرآن لما في كتبهم ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) وقيل
المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، وقيل أراد الذين آمنوا المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه
وآله وسلم ، والمعنى : ليزدادوا يقينا إلى يقينهم لما رأوا من موافقة أهل الكتاب لهم ، وجملة ( ولا يرتاب الذين
أوتوا الكتاب والمؤمنون ) مقررة لما تقدم من الاستيقان وازدياد الإيمان ، والمعنى نفى الارتياب عنهم في الدين ،
أو في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر ، ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين ، ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن
في قلبه شك ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) المراد بالذين في قلوبهم مرض هم
المنافقون ، والسورة وإن كانت مكية ولم يكن إذ ذاك نفاق ، فهو إخبار بما سيكون في المدينة ، أو المراد بالمرض
مجرد حصول الشك والريب ، وهو كائن في الكفار . قال الحسين بن الفضل : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ،
فالمرض في هذه الآية الخلاف ، والمراد بقوله ( والكافرون ) كفار العرب من أهل مكة وغيرهم ، ومعنى ( ماذا
أراد الله بهذا مثلا ) أي شئ أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل . قال الليث : المثل الحديث ، ومنه قوله
- مثل الجنة التي وعد المتقون - أي حديثها والخبر عنها ( كذلك يضل الله من يشاء ) أي مثل ذلك الإضلال المتقدم
ذكره ، وهو قوله ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ، يضل الله من يشاء ) من عباده ، والكاف نعت
مصدر محذوف ( ويهدى من يشاء ) من عباده ، والمعنى : مثل ذلك الإضلال للكافرين والهداية للمؤمنين يضل
الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته ، وقيل المعنى : كذلك يضل الله عن الجنة من يشاء ويهدي إليها من
يشاء ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) أي ما يعلم عدد خلقه ومقدار جموعه من الملائكة وغيرهم إلا هو وحده لا يقدر
على علم ذلك أحد . وقال عطاء : يعنى من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار لا يعلم عدتهم إلا الله ،
والمعنى : أن خزنة النار وإن كانوا تسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه .
ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر فقال ( وما هي إلا ذكرى للبشر ) أي وما سقر وما ذكر من عدد خزنتها إلا
تذكرة وموعظة للعالم ، وقيل ( وما هي ) أي الدلائل والحجج والقرآن إلا تذكرة للبشر . وقال الزجاج : نار
الدنيا تذكرة لنار الآخرة ، وهو بعيد . وقيل ما هي أي عدة خزنة جهنم إلا تذكرة للبشر ليعلموا كمال قدرة
الله وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار ، وقيل الضمير في ( وما هي ) يرجع إلى الجنود . ثم ردع سبحانه المكذبين
وزجرهم فقال ( كلا والقمر ) قال الفراء : كلا صلة للقسم ، التقدير : أي والقمر ، وقيل المعنى . حقا والقمر .
قال ابن جرير : المعنى رد زعم من زعم أنه يقاوم خزنة جهنم : أي ليس الأمر كما يقول ، ثم أقسم على ذلك بالقمر
فتح القدير — صفحة 330
مساهمون: الشوكاني
ص٣٣٠