قال الواحدي : قال المفسرون : لما بدئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي أتاه جبريل ، فرآه
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلألئ ، ففزع ووقع مغشيا عليه ،
فلما أفاق دخل على خديجة ودعا بماء فصبه عليه ، وقال : دثروني دثروني ، فدثروه بقطيفة ، فقال ( يا أيها المدثر
قم فأنذر ) ومعنى يا أيها المدثر : يا أيها الذي قد تدثر بثيابه : أي تغشى بها ، وأصله المتدثر ، فأدغمت التاء في
الدال لتجانسهما . وقد قرأ الجمهور بالإدغام ، وقرأ أبي المتدثر على الأصل ، والدثار : هو ما يلبس فوق الشعار
والشعار : هو الذي يلي الجسد ، وقال عكرمة : المعنى يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها . قال ابن العربي : وهذا مجاز
بعيد لأنه لم يكن نبيا إذ ذاك ( قم فأنذر ) أي انهض فخوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا ، أو قم من
مضجعك ، أو قم قيام عزم وتصميم ، وقيل الإنذار هنا هو إعلامهم بنبوته ، وقيل إعلامهم بالتوحيد . وقال
الفراء : المعنى قم فصل وأمر بالصلاة ( وربك فكبر ) أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير ،
وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة ، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفار ، وأعظم من أن
يكون له صاحبة ، أو ولد . قال ابن العربي : المراد به تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأضداد والأنداد والأصنام
ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه ، ولا يرى لغيره فعلا إلا له ولا نعمة إلا منه . قال الزجاج : إن الفاء في فكبر
دخلت على معنى الجزاء كما دخلت في فأنذر . وقال ابن جنى : هو كقولك زيدا فاضرب : أي زيدا اضرب ،
فالفاء زائدة ( وثيابك فطهر ) المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي ، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه
وحفظها عن النجاسات ، وإزالة ما وقع فيها منها ، وقيل المراد بالثياب العمل ، وقيل القلب ، وقيل النفس ، وقيل
الجسم ، وقيل الأهل ، وقيل الدين ، وقيل الأخلاق . قال مجاهد وابن زيد وأبو رزين : أي عملك فأصلح .
وقال قتادة : نفسك فطهر من الذنب ، والثياب عبارة عن النفس . وقال سعيد بن جبير : قلبك فطهر ، ومن
هذا قول امرئ القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال عكرمة : المعنى ألبسها على غير غدر وغير
فجرة . وقال : أما سمعت قول الشاعر :
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع
والشاعر هو غيلان بن سلمة الثقفي ، ومن إطلاق الثياب على النفس قول عنترة :
فشككت بالرمح الطويل ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم
وقول الآخر : ثياب بني عوف طهارى نقية * وقال الحسن والقرظي : إن المعنى وأخلاقك فطهر
لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه ، ومنه قول الشاعر :
ويحيى لا يلام بسوء خلق * ويحيى طاهر الأثواب حر
وقال الزجاج : المعنى وثيابك فقصر ، لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا انجر على الأرض ، وبه قال
طاوس ، والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي . وليس في استعمال الثياب مجاز عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على
أنه المراد عند الإطلاق ، وليس في مثل هذا الأصل : أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف ، وفي
الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة ( والرجز فاهجر ) الرجز معناه في اللغة العذاب ، وفيه لغتان كسر
الراء وضمها ، وسمى الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنها سبب الرجز . قرأ الجمهور " الرجز " بكسر الراء . وقرأ
الحسن ومجاهد وعكرمة وحفص وابن محيصن بضمها . وقال مجاهد وعكرمة : الرجز الأوثان كما في قوله
فتح القدير — صفحة 324
مساهمون: الشوكاني
ص٣٢٤