وقيل إن المكظوم : المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس . قاله المبرد ، وقيل هو المحبوس ، والأول أولى ، ومنه
قول ذي الرمة :
وأنت من حب مى مضمر حزنا * عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم
( لولا أن تداركه نعمة من ربه ) أي لولا أن تدارك صاحب الحوت نعمة من الله وهي توفيقه للتوبة فتاب الله
عليه ( لنبذ بالعراء ) أي لألقى من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات ( وهو مذموم ) أي يذم
ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من الرحمة ، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ . قال الضحاك :
النعمة هنا النبوة . وقال سعيد بن جبير : عبادته التي سلفت . وقال ابن زيد ، هي نداؤه بقوله - لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين - وقيل مذموم مبعد . وقيل مذنب . قرأ الجمهور " تداركه " على صيغة الماضي ،
وقرأ الحسن وابن هرمز والأعمش بتشديد الدال ، والأصل تتداركه بتاءين مضارعا فأدغم ، وتكون هذه القراءة
على حكاية الحال الماضية ، وقرأ أبي وابن مسعود وابن عباس " تداركته " بتاء التأنيث ( فاجتباه ربه ) أي استخلصه
واصطفاه واختاره للنبوة ( فجعله من الصالحين ) أي الكاملين في الصلاح وعصمه من الذنب ، وقيل رد إليه
النبوة وشفعه في نفسه وفي قومه وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون كما تقدم ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك
بأبصارهم ) إن هي المخففة من الثقيلة . قرأ الجمهور " ليزلقونك " بضم الياء من أزلقه : أي أزل رجله ، يقال أزلقه
عن موضعه إذا نحاه ، وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه : إذا تنحى . قال الهروي : أي
فيغتالونك بعيونهم فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش
ومجاهد وأبو وائل " ليرهقونك " أي يهلكونك . وقال الكلبي " يزلقونك " أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ
الرسالة ، وكذا قال السدى وسعيد بن جبير . وقال النضر بن شميل والأخفش : يفتنونك . وقال الحسن وابن
كيسان : ليقتلونك . قال الزجاج في الآية مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون
ينظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك ، وهذا مستعمل في الكلام ، يقول القائل نظر إلى نظرا يكاد يصرعني ، ونظرا
يكاد يأكلني . قال ابن قتيبة : ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه ، وإنما أراد
أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك ، كما قال الشاعر :
يتعارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزيل مواطئ الأقدام
( لما سمعوا الذكر ) أي وقت سماعهم للقرآن لكراهتهم لذلك أشد كراهة ، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك ،
وقيل هي حرف ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك ( ويقولون إنه مجنون ) أي
ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن ، فرد الله عليهم بقوله ( وما هو إلا ذكر للعالمين ) والجملة مستأنفة ، أو
في محل نصب على الحال من فاعل يقولون : أي والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه ، أو شرف لهم
كما قال سبحانه - وإنه لذكر لك ولقومك - وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنه مذكر للعالمين
أو شرف لهم .
وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " يكشف
ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود
ظهره طبقا واحدا " وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما ، وله ألفاظ في بغضها طول ، وهو
فتح القدير — صفحة 277
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٧