ومنظر وفصاحة ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل لكل من يصلح له ، ويدل عليه قراءة من قرأ
يسمع على البناء للمفعول ، وجملة ( كأنهم خشب مسندة ) مستأنفة لتقرير ما تقدم من أن أجسامهم تعجب الرائي
وتروق الناظر ، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها خبر مبتدإ محذوف ، شبهوا في جلوسهم في مجالس رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط التي لا تفهم ولا تعلم ، وهم كذلك
لخلوهم عن الفهم النافع والعلم الذي ينتفع به صاحبه ، قال الزجاج : وصفهم بتمام الصور ، ثم أعلم أنهم في ترك
الفهم والاستبصار بمنزلة الخشب . قرأ الجمهور " خشب " بضمتين ، وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل بإسكان
الشين ، وبها قرأ البراء بن عازب ، واختارها أبو عبيد لأن واحدتها خشبة كبدنة وبدن ، واختار القراءة الأولى
أبو حاتم . وقرأ سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب بفتحتين ، ومعنى مسندة أنها أسندت إلى غيرها ، من قولهم :
أسندت كذا إلى كذا ، والتشديد للتكثير . ثم عابهم الله سبحانه بالجبن فقال ( يحسبون كل صيحة عليهم ) أي
يحسبون كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب قلوبهم ، وفي المفعول الثاني للحسبان
وجهان : أحدهما أنه عليهم ، ويكون قوله ( هم العدو ) جملة مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة لكونهم
يظهرون غير ما يبطنون ، والوجه الثاني أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله ( هم العدو ) ، ويكون قوله ( عليهم )
متعلقا بصيحة ، وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر ، وكان حقه أن يقال : هو العدو ، والوجه الأول أولى .
قال مقاتل والسدي : أي إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون لما
في قلوبهم من الرعب ، ومن هذا قول الشاعر :
ما زلت تحسب كل شئ بعدهم * خيلا تكر عليهم ورجالا
وقيل كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم . ثم أمر الله سبحانه
رسوله بأن يأخذ حذره منهم فقال ( فاحذرهم ) أن يتمكنوا من فرصة منك أو يطلعوا على شئ من أسرارك لأنهم
عيون لأعدائك من الكفار . ثم دعا عليهم بقوله ( قاتلهم الله أنى يؤفكون ) أي لعنهم الله ، وقد تقول العرب هذه
الكلمة على طريقة التعجب ، كقولهم : قاتله الله من شاعر ، أو ما أشعره ، وليس بمراد هنا ، بل المراد ذمهم
وتوبيخهم ، وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته عز وجل أن يلعنهم ويخزيهم ، أو هو تعليم للمؤمنين أن
يقولوا ذلك ، ومعنى ( أنى يؤفكون ) كيف يصرفون عن الحق ويميلون عنه إلى الكفر . قال قتادة : معناه يعدلون
عن الحق . وقال الحسن معناه يصرفون عن الرشد ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ) أي إذا قال لهم القائل
من المؤمنين قد نزل فيكم ما نزل من القرآن فتوبوا إلى الله ورسوله وتعالوا يستغفر لكم رسول الله ( لووا رؤوسهم )
أي حركوها استهزاء بذلك . قال مقاتل : عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار . قرأ الجمهور " لووا " بالتشديد .
وقرأ نافع بالتخفيف ، واختار القراءة الأولى أبو عبيد ( ورأيتهم يصدون ) أي يعرضون عن قول من قال لهم :
تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، أو يعرضون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجملة ( وهم مستكبرون )
في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى ، وهي يصدون ، لأن الرؤية بصرية فيصدون في محل نصب على
الحال ، والمعنى : ورأيتهم صادين مستكبرين ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) أي الاستغفار وعدمه
سواء لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق واستمرارهم على الكفر . قرأ الجمهور " استغفرت " بهمزة مفتوحة من غير
مد ، وحذف همزة الاستفهام ثقة بدلالة أم عليها . وقرأ يزيد بن القعقاع بهمزة ثم ألف ( لن يغفر الله لهم ) أي
ما داموا على النفاق ( إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) أي الكاملين في الخروج عن الطاعة والانهماك في معاصي الله ،
فتح القدير — صفحة 231
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣١