قوله ( إذا جاءك المنافقون ) أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك ، وجواب الشرط قالوا ، وقيل محذوف ،
وقالوا حال ، والتقدير : جاءوك قائلين كيت وكيت فلا نقبل منهم ، وقيل الجواب - اتخذوا أيمانهم جنة - وهو
بعيد ( قالوا نشهد إنك لرسول الله ) أكدوا شهادتهم بأن واللام للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص
اعتقادهم ، والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، ومعنى نشهد نحلف ، فهو يجري مجرى القسم ، ولذلك يتلقى
بما يتلقى به القسم ، ومن هذا قول قيس بن ذريح :
وأشهد عند الله أني أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا
ومثل نشهد نعلم ، فإنه يجري مجرى القسم كما في قول الشاعر :
ولقد علمت لتأتين منيتي * إن المنايا لا تطيش سهامها *
وجملة ( والله يعلم إنك لرسوله ) معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو ما أظهروه من الشهادة ، وإن كانت
بواطنهم على خلاف ذلك ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) أي في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب
وخلوص الاعتقاد ، لا إلى منطوق كلامهم ، وهو الشهادة بالرسالة ، فإنه حق ، والمعنى : والله يشهد إنهم
لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب
وموافقة باطن لظاهر ( اتخذوا أيمانهم جنة ) أي جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم وإن محمدا لرسول الله
وقاية تقيهم منكم وسترة يستترون بها من القتل والأسر ، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه ، وقد تقدم
قول من قال إنها جواب الشرط . قرأ الجمهور " أيمانهم " بفتح الهمزة ، وقرأ الحسن بكسرها ، وقد تقدم تفسير هذا
في سورة المجادلة ( فصدوا عن سبيل الله ) أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر منهم
من التشكيك والقدح في النبوة . هذا معنى الصد الذي بمعنى الصرف ، ويجوز أن يكون من الصدود : أي أعرضوا
عن الدخول في سبيل الله وإقامة أحكامه ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) من النفاق والصد ، وفي ساء معنى التعجب
والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ذكره من الكذب والصد وقبح الأعمال ، وهو مبتدأ وخبره ( بأنهم آمنوا )
أي بسبب أنهم آمنوا في الظاهر نفاقا ( ثم كفروا ) في الباطن ، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين وأظهروا الكفر
للكافرين ، وهذا صريح في كفر المنافقين ، وقيل نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا . والأول أولى كما يفيده
السياق ( فطبع على قلوبهم ) أي ختم عليها بسبب كفرهم . قرأ الجمهور " فطبع " على البناء للمفعول ، والقائم مقام
الفاعل الجار والمجرور بعده ، وقرأ زيد بن علي على البناء للفاعل ، والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه ، ويدل
على هذا قراءة الأعمش " فطبع الله على قلوبهم " ( فهم لا يفقهون ) ما فيه من صلاحهم ورشادهم وهو الإيمان ( وإذا
رأيتهم تعجبك أجسامهم ) أي هيئاتهم ومناظرهم ، يعني أن لهم أجساما تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق
( وإن يقولوا تسمع لقولهم ) فتحسب أن قولهم حق وصدق لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم ، وقد كان عبد الله بن أبي
رأس المنافقين فصيحا جسيما جميلا ، وكان يحضر مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا قال سمع النبي صلى الله
عليه وآله وسلم مقالته . قال الكلبي : المراد عبد الله بن أبي وجد بن قيس ، ومعتب بن قيس كانت لهم أجسام
فتح القدير — صفحة 230
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٠