الأرض إلى السماء ، وقيل هو من المرارة : يقال مر الشئ صار مرا : أي مستبشع عندهم . وفي هذه الآية أعظم
دليل على أن الانشقاق قد كان كما قررناه سابقا . ثم ذكر سبحانه تكذيبهم فقال ( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي
وكذبوا رسول الله ، وما عاينوا من قدرة الله ، واتبعوا أهواءهم وما زينه لهم الشيطان الرجيم ، وجملة ( وكل أمر
مستقر ) مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب واتباع الأهواء : أي وكل أمر من الأمور منته إلى غاية ، فالخير
يستقر بأهل الخير ، والشر يستقر بأهل الشر . قال الفراء : يقول يستقر قرار تكذيبهم وقرار قول المصدقين حتى
يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب . قال الكلبي : المعنى لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر ، وما كان منه
في الآخرة فسيعرف . قرأ الجمهور " مستقر " بكسر القاف ، وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ وهو كل . وقرأ
أبو جعفر وزيد بن علي بجر " مستقر " على أنه صفة لأمر ، وقرأ شيبة بفتح القاف ، ورويت هذه القراءة عن نافع ،
قال أبو حاتم : ولا وجه لها ، وقيل لها وجه بتقدير مضاف محذوف : أي وكل أمر ذو استقرار ، أو زمان استقرار ،
أو مكان استقرار ، على أنه مصدر ، أو ظرف زمان ، أو ظرف مكان ( ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ) أي
ولقد جاء كفار مكة ، أو الكفار على العموم من الأنباء ، وهي أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن -
- ما فيه مزدجر - أي ازدجار على أنه مصدر ميمي ، يقال زجرته : إذا نهيته عن السوء ووعظته ، ويجوز أن يكون
اسم مكان ، والمعنى : جاءهم ما فيه موضع ازدجار : أي أنه في نفسه موضع لذلك ، وأصله مزتجر ، وتاء الافتعال
تقلب دالا مع الزاي والدال والذال كما تقرر في موضعه ، وقرأ زيد بن علي " مزجر " بقلب تاء الافتعال زايا
وإدغام الزاي في الزاي ، ومن في قوله " من الأنباء " للتبعيض وهي وما دخلت عليه في محل نصب على الحال ،
وارتفاع ( حكمة بالغة ) على أنها خبر مبتدإ محذوف أو بدل من ما بدل كل من كل ، أو بدل اشتمال ، والمعنى :
أن القرآن حكمة قد بلغت الغاية ليس فيها نقص ولا خلل ، وقرئ بالنصب على أنها حال من ما : أي حال كون
ما فيه مزدجر حكمة بالغة ( فما تغن النذر ) ما يجوز أن تكون استفهامية وأن تكون نافية : أي أي شئ تغني النذر
أو لم تغن النذر شيئا ، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجئ الحكمة البالغة ، والنذر جمع نذير بمعنى المنذر ، أو
بمعنى الإنذار على أنه مصدر . ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم فقال ( فتول عنهم ) أي أعرض عنهم حيث لم
يؤثر فيهم الإنذار ، وهي منسوخة بآية السيف ( يوم يدع الداع إلى شئ نكر ) انتصاب الظرف إما بفعل مقدر :
أي أذكر ، وإما بيخرجون المذكور بعده ، وإما بقوله ( فما تغن ) ، ويكون قوله ( فتول عنهم ) اعتراض ، أو
بقوله - يقول الكافرون - أو بقوله - خشعا - وسقطت الواو من يدع اتباعا للفظ ، وقد وقعت في الرسم هكذا
وحذفت الياء من الداع للتخفيف واكتفاء بالكسرة ، والداع هو إسرافيل ، والشئ النكر : الأمر الفظيع الذي
ينكرونه استعظاما له لعدم تقدم العهد لهم بمثله . قرأ الجمهور بضم الكاف . وقرأ ابن كثير بسكونها تخفيفا . وقرأ
مجاهد وقتادة بكسر الكاف وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول ( خشعا أبصارهم ) قرأ الجمهور " خشعا " جمع
خاشع . وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو " خاشعا " على الإفراد ، ومنه قول الشاعر :
وشباب حسن أوجهه من * إياد بن نزار بن معد
وقرأ ابن مسعود " خاشعة " قال الفراء : الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث والجمع : يعني
جمع التكسير لا جمع السلامة ، لأنه يكون من الجمع بين فاعلين ، ومثل قراءة الجمهور قول امرئ القيس :
وقوفا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد
فتح القدير — صفحة 121
مساهمون: الشوكاني
ص١٢١