يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر ، فالبرزخ الحاجز ، والحجز المانع . وقيل معنى ( حجرا محجورا ) هو ما تقدم
من أنها كلمة يقولها المتعوذ كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ، ويقول له هذا القول ، وقيل حدا
محدودا . وقيل المراد من البحر العذب الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون ، ومن البحر الأجاج البحار
المشهورة ، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض . وقيل معنى ( حجرا محجورا ) حراما محرما أن يعذب هذا المالح
بالعذب ، أو يملح هذا العذب بالمالح ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن - مرج البحرين يلتقيان
بينهما برزخ لا يبغيان - ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان والماء فقال ( وهو الذي خلق من الماء بشرا
فجعله نسبا وصهرا ) والمراد بالماء هنا ماء النطفة : أي خلق من ماء النطفة إنسانا فجعله نسبا وصهرا ، وقيل المراد
بالماء الماء المطلق الذي يراد في قوله ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) والمراد بالنسب هو الذي لا يحل نكاحه .
قال الفراء والزجاج : واشتقاق الصهر من صهرت الشئ : إذا خلطته ، وسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها .
وقيل الصهر قرابة النكاح ، فقرابة الزوجة هم الأختان ، وقرابة الزوج هم الأحماء ، والأصهار تعمهما ، قاله الأصمعي .
قال الواحدي . قال المفسرون : النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعها قوله - حرمت عليكم أمهاتكم - إلى قوله
- وأمهات نسائكم - ومن هنا إلى قوله - وأن تجمعوا بين الأختين - تحريم بالصهر ، وهو الخلطة التي تشبه القرابة ،
حرم الله سبعة أصناف من النسب وسبعة من جهة الصهر ، قد اشتملت الآية المذكورة على ستة منها ، والسابعة
قوله - ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - وقد جعل ابن عطية والزجاج وغيرهما الرضاع من جملة النسب ،
ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ( وكان ربك قديرا ) أي بليغ القدرة
عظيمها ، ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان وتقسيمه إلى القسمين المذكورين .
وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ألم تر إلى ربك كيف مد
الظل ) قال : بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس . وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ : ألم تر أنك إذا صليت الفجر
كان بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ، ثم بعث الله عليه الشمس دليلا فقبض الظل . وأخرج ابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال : مد الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ( ولو شاء لجعله
ساكنا ) قال : دائما ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) يقول : طلوع الشمس ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) قال :
سريعا . وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبي سعيد قال : " قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة ؟
وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ، فقال : إن الماء طهور لا ينجسه شئ " . وفى إسناد هذا
الحديث كلام طويل قد استوفيناه في شرحنا على المنتقى . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : ما من عام بأقل مطر من عام ، ولكن الله يصرفه
حيث يشاء ، ثم قرأ هذه الآية ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) الآية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس
في قوله ( وجاهدهم به ) قال : بالقرآن . وأخرج ابن جرير عنه ( هو الذي مرج البحرين ) يعني خلط أحدهما على
الآخر فليس يفسد العذب المالح وليس يفسد المالح العذب . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( وحجرا
محجورا ) يقول : حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه . وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال : سئل
عمر بن الخطاب عن " نسبا وصهرا " فقال : ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب ، وأما الصهر : فالأختان والصحابة .
فتح القدير — صفحة 82
مساهمون: الشوكاني
ص٨٢