العموم الملائكة فإنهم خلقوا من نور ، والجان فإنهم خلقوا من نار . ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال
( فمنهم من يمشى على بطنه ) وهي الحيات والحوت والدود ونحو ذلك ( ومنهم من يمشي على رجلين ) الإنسان
والطير ( ومنهم من يمشي على أربع ) سائر الحيوانات ، ولم يتعرض لما يمشي على أكثر من أربع لقلته ، وقيل لأن
المشي على أربع فقط وإن كانت القوائم كثيرة ، وقيل لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع ، ولا وجه لهذا
فإن المراد التنبيه على بديع الصنع وكمال القدرة ، فكيف يقال لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع ؟ وقيل
ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي على أكثر من أربع ، لأنه لم ينف ذلك ولا جاء بما يقتضي الحصر ، وفي
مصحف أبي " ومنهم من يمشي على أكثر " فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع كالسرطان والعناكب
وكثير من خشاش الأرض ( يخلق الله ما يشاء ) مما ذكره هاهنا ومما لم يذكره كالجمادات مركبها وبسيطها ناميها
وغير ناميها ( إن الله على كل شئ قدير ) لا يعجزه شئ بل الكل من مخلوقاته داخل تحت قدرته سبحانه ( لقد
أنزلنا آيات مبينات ) أي القرآن ، فإنه قد اشتمل على بيان كل شئ وما فرطنا في الكتاب من شئ ، وقد تقدم
بيان مثل هذا في غير موضع ( والله يهدي من يشاء ) بتوفيقه للنظر الصحيح وإرشاده إلى التأمل الصادق ( إلى
صراط مستقيم ) إلى طريق مستوي لا عوج فيه ، فيتوصل بذلك إلى الخير التام وهو نعيم الجنة .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( والذين كفروا أعمالهم كسراب ) قال : هو مثل
ضربه الله كرجل عطش فاشتد عطشه فرأى سرابا فحسبه ماء ، فطلبه فظن أنه قدر عليه حتى أتى ، فلما أتاه لم
يجده شيئا ، وقبض عند ذلك يقول : الكافر كذلك السراب إذا أتاه الموت لم يجد عمله يغنى عنه شيئا ، ولا ينفعه إلا
كما نفع السراب العطشان ( أو كظلمات في بحر لجي ) قال : يعنى بالظلمات الأعمال ، وبالبحر اللجي قلب
الإنسان ( يغشاه موج ) يعنى بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر . وأخرج ابن جرير عنه بقيعة : بأرض
مستوية . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبيه عن أصحاب النبي صلى الله
عليه وآله وسلم قال " إن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا فيقولون أين الماء ؟ فيتمثل لهم السراب فيحسبونه
ماء ، فينطلقون إليه فيجدون الله عنده فيوفيهم حسابه والله سريع الحساب " وفي إسناده السدي عن أبيه ، وفيه
مقال معروف . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة
في قوله ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) قال : الصلاة للإنسان والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه . وأخرج ابن
أبي حاتم عنه في قوله ( والطير صافات ) قال : بسط أجنحتهن . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه . وأخرج
ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( يكاد سنا برقه ) يقول : ضوء برقه . وأخرج ابن
أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : كل شئ يمشي على أربع إلا الإنسان . وأقول هذه الطيور على اختلاف
أنواعها تمشي على رجلين ، وهكذا غيرها ، كالنعامة فإنها تمشي على رجلين ، وليست من الطير ، فهذه الكلية
المروية عنه رضي الله عنه لا تصح .
فتح القدير — صفحة 43
مساهمون: الشوكاني
ص٤٣