وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بالتشديد أي ما طهره الله . وقال مقاتل : أي ما صلح . والأولى تفسير زكى
بالتطهر والتطهير ، وهو الذي ذكره ابن قتيبة . قال الكسائي إن قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات
الشيطان ) معترض ، وقوله ( ما زكى منكم من أحد أبدا ) جواب لقوله أولا وثانيا ولولا فضل الله . وقراءة
التخفيف أرجح لقوله ( ولكن الله يزكي من يشاء ) أي من عباده بالتفضل عليهم والرحمة لهم ( والله سميع ) لما
يقولونه ( عليم ) بجميع المعلومات وفيه حث بالغ على الإخلاص ، وتهييج عظيم لعباده التائبين ، ووعيد شديد لمن
يتبع الشيطان ويحب أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين ، ولا يزجر نفسه بزواجر الله سبحانه .
وقد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآيات بألفاظ
متعددة وطرق مختلفة . حاصله أن سبب النزول هو ما وقع من أهل الإفك الذين تقدم ذكرهم في شأن عائشة رضي
الله عنها ، وذلك أنها خرجت من هودجها تلتمس عقدا لها انقطع من جزع ، فرحلوا وهم يظنون أنها في هودجها ،
فرجعت وقد ارتحل الجيش والهودج معهم ، فأقامت في ذلك المكان ومر بها صفوان بن المعطل ، وكان متأخرا عن
الجيش ، فأناخ راحلته وحملها عليها ، فلما رأى ذلك أهل الإفك قالوا ما قالوا ، فبرأها الله مما قالوه . هذا حاصل
القصة مع طولها وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك . وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأهل السنن
الأربع وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم . قال الترمذي : هذا
حديث حسن . ووقع عند أبي داود تسميتهم : حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش . وأخرج
ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : الذين افتروا على عائشة عبد الله بن أبي سلول ومسطح وحسان
وحمنة بنت جحش . وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال :
كنت عند الوليد بن عبد الملك ، فقال الذي تولى كبره منهم علي ، فقلت لا ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة
ابن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره
منهم عبد الله بن أبي ، قال فقال لي : فما كان جرمه ؟ قلت : حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول : كان مسيئا في أمري . وقال
يعقوب بن شيبة في مسنده : حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا عمي قال : دخل سليمان
ابن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سليمان الذي تولى كبره من هو ؟ قال : عبد الله بن أبي . قال :
كذبت هو علي . قال : أمير المؤمنين أعلم بما يقول ، فدخل الزهري فقال : يا ابن شهاب من الذي تولى كبره ؟
فقال : ابن أبي . قال : كذبت هو علي . قال : أنا أكذب ؟ لا أبالك ، والله لو نادى مناد من السماء أن الله قد
أحل الكذب ما كذبت ، حدثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال :
حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قالت : لكنك لست كذلك ، قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك ، وقد أنزل الله ( والذي تولى كبره منهم له
عذاب عظيم ) فقالت : وأي عذاب أشد من العمى ؟ . وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع
ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب ، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا والله ، قال :
فتح القدير — صفحة 15
مساهمون: الشوكاني
ص١٥