كنا هي المخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية : أي قالوا تالله إن الشأن كوننا في ضلال واضح ظاهر ،
والمراد بالضلال هنا الخسار والتبار والحيرة عن الحق ، والعامل في الظرف ، أعني ( إذ نسويكم برب العالمين ) هو
كونهم في الضلال المبين . وقيل العامل هو الضلال ، وقيل ما يدل عليه الكلام ، كأنه قيل ضللنا وقت تسويتنا
لكم برب العالمين . وقال الكوفيون : إن " إن " في إن كنا نافية واللام بمعنى إلا : أي ما كنا ألا في ضلال مبين .
والأول أولى ، وهو مذهب البصريين ( فما لنا من شافعين ) يشفعون لنا من العذاب كما للمؤمنين ( ولا صديق حميم )
أي ذي قرابة ، والحميم القريب الذي توده ويودك ، ووحد الصديق لما تقدم غير مرة أنه يطلق على الواحد
والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث ، والحميم مأخوذ من حامة الرجل : أي أقربائه ، ويقال حم الشئ وأحم
إذا قرب منه ، ومنه الحمى لأنه يقرب من الأجل . وقال علي بن عيسى : إنما سمى القريب حميما لأنه يحمى لغضب
صاحبه ، فجعله مأخوذا من الحمية ( فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ) هذا منهم على طريق التمني الدال على
كمال التحسر كأنهم قالوا : فليت لنا كرة : أي رجعة إلى الدنيا ، وجواب التمني فنكون من المؤمنين : أي
نصير من جملتهم ، والإشارة بقوله ( إن في ذلك لآية ) إلى ما تقدم ذكره من نبأ إبراهيم ، والآية العبرة والعلامة ،
والتنوين يدل على التعظيم والتفخيم ( وما كان أكثرهم مؤمنين ) أي أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم نبأ إبراهيم ، وهم قريش ومن دان بدينهم . وقيل وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين ، وهو
ضعيف لأنهم كلهم غير مؤمنين ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) أي هو القاهر لأعدائه الرحيم بأوليائه ، أو الرحيم
للأعداء بتأخير عقوبتهم وترك معاجلتهم .
وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( وألحقني بالصالحين ) يعنى بأهل الحنة . وأخرج
ابن أبي حاتم عنه في قوله ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) قال : اجتماع أهل الملل على إبراهيم . وأخرج عنه
أيضا ( واغفر لأبي ) قال : امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك . وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة ، فيقول له
إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ، فاليوم لا أعصينك ، فيقول إبراهيم : رب إنك وعدتني أن لا تخزيني
يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟ فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين ، ثم يقول : يا إبراهيم
ما تحت رجليك ؟ فإذا هو بذيخ متلطخ ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " والذيخ هو الذكر من الضباع ، فكأنه
حول آزر إلى صورة ذيخ . وقد أخرجه النسائي بأطول من هذا . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن
عباس في قوله ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) قال : شهادة أن لا إله إلا الله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم عنه ( فكبكبوا فيها ) قال : جمعوا فيها ( هم والغاوون ) قال : مشركوا العرب والآلهة . وأخرج ابن
أبي حاتم عنه أيضا ( فلو أن لنا كرة ) قال رجعة إلى الدنيا ( فنكون من المؤمنين ) حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت
لهؤلاء .
فتح القدير — صفحة 107
مساهمون: الشوكاني
ص١٠٧