وجمعها الشراذم . قال الواحدي : قال المفسرون : وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف ولا يحصى عدد
أصحاب فرعون ( وإنهم لنا لغائظون ) يقال : غاظني كذا وأغاظني ، والغيظ الغضب ، ومنه التغيظ والاغتياظ :
أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني ( وإنا لجميع حذرون ) قرئ حذرون وحاذرون وحذرون بضم الذال ،
حكى ذلك الأخفش . قال الفراء : الحاذر الذي يحذرك الآن ، والحذر المخلوق كذلك لا تلقاه إلا حذرا . وقال
الزجاج : الحاذر المستعد ، والحذر المتيقظ ، وبه قال الكسائي ومحمد بن يزيد ، قال النحاس : حذرون قراءة
المدنيين وأبي عمرو ، وحاذرون قراءة أهل الكوفة . قال : وأبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرون وحاذرون واحد
وهو قول سيبويه ، وأنشد سيبويه :
حذر أمورا لا تضير وحاذر * ما ليس ينجيه من الأقدار
( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ) يعني فرعون وقومه أخرجهم الله من أرض مصر وفيها
الجنات والعيون والكنوز ، وهي جمع جنة وعين وكنز ، والمراد بالكنوز : الخزائن ، وقيل الدفائن ، وقيل الأنهار ،
وفيه نظر لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين عيون الماء فيدخل تحتها الأنهار .
واختلف في المقام الكريم ، فقيل المنازل الحسان ، وقيل المنابر ، وقيل مجالس الرؤساء والأمراء ، وقيل
مرابط الخيل ، والأول أظهر ، ومن ذلك قول الشاعر :
وفيهم مقامات حسان وجوهها * وأندية ينتابها القول والفعل
( كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) يحتمل أن يكون كذلك في محل نصب : أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج
الذي وصفنا ، ويحتمل أن يكون في محل جر على الوصفية : أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، ويحتمل
الرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف : أي الأمر كذلك : ومعنى وأورثناها بني إسرائيل جعلناها ملكا لهم ، وهو معطوف
على فأخرجناهم ( فأتبعوهم مشرقين ) روي قراءة الجمهور بقطع الهمزة ، وقرأ الحسن والحارث الديناري بوصلها وتشديد
التاء : أي فلحقوهم حال كونهم مشرقين : أي داخلين في وقت الشروق . يقال شرقت الشمس شروقا إذا طلعت
كأصبح وأمسى : أي دخل في هذين الوقتين ، وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد وأتهم ، وقيل معنى مشرقين
مضيئين . قال الزجاج : يقال شرقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضائت ( فلما تراءى الجمعان ) قرأ الجمهور
" تراءى " بتخفيف الهمزة ، وقرأ ابن وثاب والأعمش من غير همز ، والمعنى : تقابلا بحيث يرى كل فريق
صاحبه ، وهو تفاعل من الرؤية ، وقرئ " تراءت الفئتان " ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) أي سيدركنا جمع
فرعون ولا طاقة لنا بهم . قرأ الجمهور " إنا لمدركون " اسم مفعول من أردك ، ومنه - حتى إذا أدركه الغرق - وقرأ
الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال مشددة وكسر الراء . قال الفراء : هما بمعنى واحد . قال النحاس : ليس كذلك
يقول النحويون الحذاق ، إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم . قال : وهذا
معنى قول سيبويه . وقال الزمخشري : إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد
( قال كلا إن معي ربي سيهدين ) قال موسى هذه المقالة زجرا لهم وردعا ، والمعنى : أنهم لا يدركونكم ، وذكرهم
وعد الله بالهداية والظفر ، والمعنى : إن معي ربي بالنصر والهداية سيهدين : أي يدلني على طريق النجاة ، فلما
عظم البلاء على بني إسرائيل ورأوا من الجيوش مالا طاقة لهم به ، وأمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه ،
وذلك قوله ( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ) لما قال موسى : ( إن معي ربي سيهدين ) بين الله سبحانه
له طريق الهداية فأمره بضرب البحر ، وبه نجا بنو إسرائيل وهلك عدوهم ، والفاء في ( فانفلق ) فصيحة : أي
فتح القدير — صفحة 101
مساهمون: الشوكاني
ص١٠١