ابن منصور عن حفص الفزاري في قوله ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ) قال ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل
أمه . وأخرجه عبدا في الصحابة عن حفص مرفوعا ، وهو مرسل لأن حفصا تابعي .
سورة المؤمنين الآية ( 57 - 67 ) لما نفى سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلا وآجلا
فوصفهم بصفات أربع : الأولى قوله ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) الإشفاق : الخوف ، تقول أنا
مشفق من هذا الأمر : أي خائف . قيل الإشفاق هو الخشية ، فظاهر ما في الآية التكرار . وأجيب بحمل الخشية
على العذاب : أي من عذاب ربهم خائفون ، وبه قال الكلبي ومقاتل . وأجيب أيضا بحمل الإشفاق على ما هو أثر
له : وهو الدوام على الطاعة : أي الذين هم من خشية ربهم دائمون على طاعته . وأجيب أيضا بأن الإشفاق أن كمال
الخوف فلا تكرار ، وقيل هو تكرار للتأكيد . والصفة الثانية قوله ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) قيل المراد
بالآيات هي التنزيلية ، وقيل هي التكوينية ، وقيل مجموعهما ، قيل وليس المراد بالإيمان بها هو التصديق بوجودها
فقط ، فإن ذلك معلوم بالضرورة ولا يوجب المدح ، بل المراد التصديق بكونها دلائل وأن مدلولها حق ، والصفة ،
الثالثة قوله ( والذين هم بربهم لا يشركون ) أي يتركون الشرك تركا كليا ظاهرا وباطنا . والصفة الرابعة قوله ( والذين
يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) أي يعطون ما أعطوا وقلوبهم خائفة من أجل ذلك الإعطاء
يظنون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله ، وجملة ( وقلوبهم وجلة ) في محل نصب على الحال : أي والحال أن
قلوبهم خائفة أشد الخوف . قال الزجاج : قلوبهم خائفة لأنهم إلى ربهم راجعون ، وسبب الوجل هو أن يخافوا
أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب ، لا مجرد رجوعهم إليه سبحانه . وقيل المعنى : أن من اعتقد الرجوع إلى
الجزاء والحساب وعلم أن المجازي والمحاسب هو الرب الذي لا تخفى عليه خافية لم يخل من وجل . قرأت عائشة وابن
عباس والنخعي ( يأتون ما أتوا " مقصورا على الإتيان . قال الفراء : ولو صحت هذه القراءة لم تخالف قراءة
الجماعة لأن من العرب من يلزم في الهمز الألف في كل الحالات . قال النحاس : ومعنى هذه القراءة يعملون ما عملوا
والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المتصفين بهذه الصفات ، ومعنى ( يسارعون في الخيرات ) يبادرون بها . قال الفراء
والزجاج : ينافسون فيها ، وقيل يسابقون ، وقرئ " يسرعون " ( وهم لها سابقون ) اللام للتقوية ، والمعنى : هم
فتح القدير — صفحة 488
مساهمون: الشوكاني
ص٤٨٨