زوجين ، ومعنى الثانية من كل زوجين ، وهما أمة الذكر والأنثى اثنين ، وانتصاب ( أهلك ) بفعل معطوف على
فاسلك ، لا بالعطف على زوجين ، أو على اثنين على القراءتين لأدائه إلى اختلاف المعنى : أي واسلك أهلك ( إلا من
سبق عليه القول منهم ) أي القول بإهلاكهم منهم ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) بالدعاء لهم بإنجائهم ، وجملة
( إنهم مغرقون ) تعليل للنهي عن المخاطبة : أي إنهم مقضى عليهم بالإغراق لظلمهم ، ومن كان هكذا فهو لا يستحق
الدعاء له ( فإذا استويت ) أي علوت ( أنت ومن معك ) من أهلك وأتباعك ( على الفلك ) راكبين عليه ( فقل
الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ) أي حال بيننا وبينهم ، وخلصنا منهم ، كقوله " فقطع دابر القوم الذين
ظلموا والحمد لله رب العالمين " . وقد تقدم تفسير هذه القصة في سورة هود على التمام والمال ، وإنما جعل سبحانه
استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزما ، لأنه قد سبق في علمه أن ذلك سبب نجاتهم من الظلمة ، وسلامتهم من
أن يصابوا بما أصيبوا به من العذاب . ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتم فائدة فقال ( وقل رب أنزلني منزلا
مباركا ) أي أنزلني في السفينة . قرأ الجمهور منزلا بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر . وقرا زر بن حبيش وأبو بكر
عن عاصم والمفضل بفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان . فعلى القراءة الأولى : أنزلني إنزالا مباركا ، وعلى
القراءة الثانية : أنزلني مكانا مباركا . قال الجوهري : والمنزل بفتح الميم والزاي النزول ، وهو الحلول ، تقول
نزلت نزولا ومنزلا . قال الشاعر :
أإن ذكرتك الدار منزلها جمل * بكيت فدمع العين منحدر سجل
بنصب منزلها ، لأنه مصدر ، قيل أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة ، وقيل عند
خروجه منها ، والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول ( وأنت خير المنزلين ) هذا ثناء
منه على الله عز وجل إثر دعائه له . قال الواحدي : قال المفسرون : إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك :
الحمد لله ، وعند نزوله منها : رب أنزلني منزلا مباركا ، والإشارة بقوله ( إن في ذلك ) إلى ما تقدم مما قصه الله
علينا من أمر نوح عليه السلام : والآيات الدلالات على كمال قدرته سبحانه ، والعلامات التي يستدل بها على
عظيم شأنه ( وإن كنا لمبتلين ) أي لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ، ليظهر المطيع والعاصي للناس أو للملائكة .
وقيل المعنى : إنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم ، تارة بالإرسال ، وتارة بالعذاب ( ثم أنشأنا من بعدهم
قرنا آخرين ) أي من بعد إهلاكهم . قال أكثر المفسرين : إن هؤلاء الذين أنشأهم الله بعدهم هم عاد قوم هود ،
لمجئ قصتهم على إثر قصة نوح في غير هذا الموضع ، ولقوله في الأعراف " واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد
قوم نوح " وقيل هم ثمود لأنهم الذين أهلكوا بالصيحة . وقد قال سبحانه في هذه القصة " فأخذتهم الصيحة " وقيل
هم أصحاب مدين قوم شعيب لأنهم ممن أهلك بالصيحة ( فأرسلنا فيهم رسولا ) عدى فعل الإرسال بفي مع أنه
يتعدى بإلى ، للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم ، يعرفون مكانه ومولده ، ليكون
سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم . وقيل وجه التعدية للفعل المذكور بفي أنه
ضمن معنى القول : أي قلنا لهم على لسان الرسول ( اعبدوا الله ) ولهذا جئ بأن المفسرة . والأول أولى لأن تضمين
أرسلنا معنى قلنا لا يستلزم تعديته بفي ، وجملة ( ما لكم من إله غيره ) تعليل للأمر بالعبادة ( أفلا تتقون ) عذابه
الذي يقتضيه شرككم ( وقال الملأ من قومه ) أي أشرافهم وقادتهم . ثم وصف الملأ بالكفر والتكذيب فقال ( الذين
كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ) أي كذبوا بما في الآخرة من الحساب والعقاب ، أو كذبوا بالبعث ( وأترفناهم ) أي
وسعنا لهم نعم الدنيا فبطروا بسبب ما صاروا فيه ( في الحياة الدنيا ) من كثرة الأموال ورفاهة العيش ( ما هذا إلا
فتح القدير — صفحة 482
مساهمون: الشوكاني
ص٤٨٢