إلا بقدر معلوم " ومعنى ( فأسكناه في الأرض ) جعلناه مستقرا فيها ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي
يبقى في المستنقعات والغدران ونحوها ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن
نذهب به بوجه من الوجوه ، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى ، وفى هذا تهديد شديد لما يدل عليه من قدرته
سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم ، ومثله قوله - قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم
غورا فمن يأتيكم بماء معين - ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء فقال ( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب )
أي أوجدنا بذلك الماء جنات من النوعين المذكورين ( لكم فيها ) أي في هذه الجنات ( فواكه كثيرة ) تتفكهون بها
وتطعمون منها . وقيل المعنى : ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم كقوله : فلان يأكل من حرفة كذا ،
وهو بعيد ، واقتصر سبحانه على النخيل والأعناب ، لأنها الموجودة بالطائف والمدينة وما يتصل بذلك . كذا قال
ابن جرير . وقيل لأنها أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعما ولذة . قيل المعنى بقوله ( لكم فيها فواكه ) أن
لكم في هذه الجنات فواكه من غير العنب والنخيل . وقيل المعنى : لكم في هذين النوعين خاصة فواكه ، لأن
فيهما أنواعا مختلفة متفاوتة في الطعم واللون .
وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق ؟ اختلافا كثير ، وأحسن ما قيل إنها تطلق على الثمرات
التي يأكلها الناس ، وليست بقوت لهم ولا طعام ولا إدام . واختلف في البقول هل تدخل في الفاكهة أم لا ؟
وانتصاب شجرة على العطف على جنات ، وأجاز الفراء الرفع على تقدير : وثم شجرة فتكون مرتفعة على الابتداء
وخبرها محذوف مقدر قبلها ، وهو الظرف المذكور . قال الواحدي : والمفسرون كلهم يقولون : إن المراد بهذه
الشجرة شجرة الزيتون ، وخصت بالذكر لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي ، وهى التي يخرج الدهن منها ، فذكرها الله
سبحانه امتنانا منه على عباده بها ، ولأنها أكرم الشجر وأعمها نفعا وأكثرها بركة ، ثم وصف سبحانه هذه
الشجرة بأنها ( تخرج من طور سيناء ) وهو جبل ببيت المقدس ، والطور الجبل في كلام العرب ، وقيل هو مما
عرب به كلام العجم . واختلف في معنى سيناء ، فقيل هو الحسن ، وقيل هو المبارك ، وذهب الجمهور إلى أنه اسم
للجبل كما تقول جبل أحد . وقيل سيناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده ، وقيل هو كل جبل يحمل
الثمار . وقرأ الكوفيون " سيناء " بفتح السين ، وقرأ الباقون بكسر السين ، ولم يصرف لأنه جعل اسما للبقعة ، وزعم
الأخفش أنه أعجمي . وقرأ الجمهور ( تنبت بالدهن ) بفتح المثناة وضم الباء الموحدة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
بضم المثناة وكسر الباء الموحدة . والمعنى على القراءة الأولى : أنها تنبت في نفسها متلبسة بالدهن ، وعلى القراءة
الثانية : الباء بمعنى مع ، فهي للمصاحبة . قال أبو علي الفارسي : التقدير : تنبت جناحها ومعه الدهن . وقيل الباء
زائدة . قاله أبو عبيدة ، ومثله قول الشاعر :
هن الحرائر لا ربات أحمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وقال آخر : * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج * وقال الفراء والزجاج : إن نبت وأنبت بمعنى ،
والأصمعي ينكر أنبت ، ويرد عليه قول زهير :
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
أي نبت . وقرأ الزهري والحسن والأعرج " تنبت " بضم المثناة وفتح الموحدة . قال الزجاج وابن جنى : أي
تنبت ومعها الدهن ، وقرأ ابن مسعود " تخرج " بالدهن ، وقرأ زر بن حبيش " تنبت الدهن " بحذف حرف الجر .
وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب بالدهان ( وصبغ للآكلين ) معطوف على الدهن : أي تنبت بالشئ الجامع بين
فتح القدير — صفحة 478
مساهمون: الشوكاني
ص٤٧٨