الباء من سبقته أسبقه ( وهم بأمره يعملون ) أي هم العاملون بما يأمرهم الله به ، التابعون له المطيعون لربهم ( يعلم ما بين
أيديهم وما خلفهم ) هذه الجملة تعليل لما قبلها : أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون ، أو يعلم ما بين أيديهم وهو
الآخرة ، وما خلفهم وهو الدنيا ، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم بما قدموا وأخروا ، لم يعملوا عملا ولم
يقولوا قولا إلا بأمره ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) أي يشفع الشافعون له ، وهو من رضى عنه ، وقيل هم أهل
لا إله إلا الله ، وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة ( وهم من خشيته مشفقون ) أي من
خشيتهم منه ، فالمصدر مضاف إلى المفعول ، والخشية الخوف مع التعظيم ، والإشفاق الخوف مع التوقع والحذر :
أي لا يأمنون مكر الله ( ومن يقل منهم إني إله من دونه ) أي من يقل من الملائكة إني إله من دون الله . قال
المفسرون : عنى بهذا إبليس ، لأنه لم يقل أحد من الملائكة إني إله إلا إبليس ، وقيل الإشارة إلى جميع الأنبياء
( فذلك نجزيه جهنم ) أي فذلك القائل على سبيل الفرض والتقدير : نجزيه جهنم بسبب هذا القول الذي قاله ، كما
نجزي غيره من المجرمين ( كذلك نجزى الظالمين ) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين ، أو مثل ما جعلنا جزاء هذا
القائل جهنم ، فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها ، والمراد بالظالمين المشركون ( أو لم
ير الذين كفروا ) الهمزة للإنكار ، والواو للعطف على مقدر ، والرؤية هي القلبية : أي ألم يتفكروا أو لم يعلموا
( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ) قال الأخفش : إنما قال كانتا ، لأنهما صنفان أي جماعتا السماوات والأرضين
كما قال سبحانه - الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا - وقال الزجاج : إنما قال كانتا لأنه يعبر عن
السماوات بلفظ الواحد ، لأن السماوات كانت سماء واحدة ، وكذلك الأرضون ، والرتق السد ضد الفتق ،
يقال رتقت الفتق أرتقه فارتتق : أي التأم ، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج : يعنى أنهما كانتا شيئا واحدا ملتزقتين
ففصل الله بينهما ، وقال رتقا ولم يقل رتقين لأنه مصدر ، والتقدير : كانتا ذواتي رتق ، ومعنى ( ففتقناهما )
ففصلناهما : أي فصلنا بعضهما من بعض ، فرفعنا السماء ، وأبقينا الأرض مكانها ( وجعلنا من الماء كل شئ حي )
أي أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شئ ، فيشمل الحيوان والنبات ، والمعنى أن الماء سبب حياة كل
شئ . وقيل المراد بالماء هنا النطفة ، وبه قال أكثر المفسرين ، وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله سبحانه
وبديع صنعه ، وقد تقدم تفسير هذه الآية ، والهمزة في ( أفلا يؤمنون ) للإنكار عليهم ، حيث لم يؤمنوا مع وجود
ما يقتضيه من الآيات الربانية ( وجعلنا في الأرض رواسي ) أي جبالا ثوابت ( أن تميد بهم ) الميد التحرك والدوران
أي لئلا تتحرك وتدور بهم ، أو كراهة ذلك ، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى ( وجعلنا فيها ) أي
في الرواسي ، أو في الأرض ( فجاجا ) قال أبو عبيدة : هي المسالك . وقال الزجاج : كل مخترق بين جبلين فهو
فج و ( سبلا ) تفسير للفجاج ، لأن الفج قد لا يكون طريقا نافذا مسلوكا ( لعلهم يهتدون ) إلى مصالح معاشهم ،
وما تدعو إليه حاجاتهم ( وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) عن أن يقع ويسقط على الأرض كقوله - ويمسك السماء أن
تقع على الأرض - وقال الفراء : محفوظا بالنجوم من الشيطان كقوله - وحفظناها من كل شيطان رجيم - وقيل
محفوظا لا يحتاج إلى عماد ، وقيل المراد بالمحفوظ هنا المرفوع ، وقيل محفوظا عن الشرك والمعاصي ، وقيل محفوظا عن
الهدم والنقض ( وهم عن آياتها معرضون ) أضاف الآيات إلى السماء ، لأنها مجعولة فيها ، وذلك كالشمس والقمر
ونحوهما ، ومعنى الإعراض أنهم لا يتدبرون فيها ، ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان ( وهو الذي خلق الليل
والنهار والشمس والقمر ) هذا تذكير لهم بنعمة أخرى مما أنعم به عليهم ، وذلك بأنه خلق لهم الليل ليسكنوا فيه ،
فتح القدير — صفحة 405
مساهمون: الشوكاني
ص٤٠٥