سورة الأنبياء الآية ( 8 - 9 )
يقال قرب الشئ واقترب وقد اقترب الحساب : أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه . قال الزجاج : المعنى
( اقترب للناس ) وقت ( حسابهم ) أي القيامة كما في قوله - اقتربت الساعة - واللام في للناس متعلقة بالفعل ،
وتقديمها هي ومجرورها على الفاعل لإدخال الروعة ، ومعنى اقتراب وقت الحساب : دنوه منهم ، لأنه في كل
ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها . وقيل لأن كل ما هو آت قريب ، وموت كل إنسان قيام ساعته ، والقيامة
أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان ، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى ، والمراد بالناس العموم . وقيل المشركون
مطلقا ، وقيل كفار مكة ، وعلى هذا الوجه قيل المراد بالحساب : عذابهم يوم بدر ، وجملة ( وهم في غفلة معرضون )
في محل نصب على الحال : أي هم في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة ، غير متأهبين بما يجب عليهم من الإيمان
بالله ، والقيام بفرائضه ، والانزجار عن مناهيه ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) من لابتداء الغاية ، وقد
استدل بوصف الذكر لكونه محدثا على أن القرآن محدث ، لأن الذكر هنا هو القرآن . وأجيب بأنه لا نزاع في
حدوث المركب من الأصوات والحروف ، لأنه متجدد في النزول . فالمعنى محدث تنزيله ، وإنما النزاع في
الكلام النفسي ، وهذه المسئلة : أعني قدم القرآن وحدوثه قد ابتلى بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة
المأمونية والمعتصمية والواثقية ، وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس الطويل ،
وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي ، وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده ، والقصة أشهر من أن
تذكر ، ومن أحب الوقوف على حقيقتها طالع ترجمة الإمام أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي .
ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم أمة نبيه عن الابتداع ،
ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك إلى الجزم بقدمه ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث ، بل
جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال لفظي بالقرآن مخلوق ، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف ، وليتهم لم يجاوزوا
حد الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب ، فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى
وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسئلة شئ من الكلام ، ولا نقل عنه كلمة في ذلك ، فكان الامتناع من
الإجابة إلى ما دعوا إليه ، والتمسك بأذيال الوقف ، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى ، وفيه السلامة
والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله ، والأمر لله سبحانه . وقوله ( إلا استمعوه ) استثناء مفرغ في محل
نصب على الحال ، وجملة ( وهم يلعبون ) في محل نصب على الحال أيضا من فاعل استمعوه ، و ( لاهية قلوبهم )
حال أيضا والمعنى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في الاستماع مع اللعب والاستهزاء
ولهوة القلوب ، وقرئ " لاهية " بالرفع كما قرئ محدث بالرفع ( وأسر النجوى الذين ظلموا ) النجوى اسم من
التناجي ، والتناجي لا يكون إلا سرا ، فمعنى إسرار النجوى : المبالغة في الإخفاء . وقد اختلف في محل الموصول
على أقوال : فقيل إنه في محل رفع بدل من الواو في أسروا ، قاله المبرد وغيره ، وقيل هو في محل رفع على الذم ،
وقيل هو فاعل لفعل محذوف ، والتقدير : يقول الذين ظلموا ، واختار هذا النحاس ، وقيل في محل نصب
بتقدير أعني : وقيل في محل خفض على أنه بدل من الناس ذكر ذلك المبرد ، وقيل هو في محل رفع على أنه فاعل
فتح القدير — صفحة 397
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩٧