هو الله سبحانه أو إسرافيل ، وقرأ أبو عياض ( في الصور ) بفتح الواو جمع صورة ، وقرأ الباقون بسكون الواو ،
وقرأ طلحة بن مصرف والحسن ( يحشر ) بالياء التحتية مبنيا للمفعول ورفع ( المجرمين ) وهو خلاف رسم المصحف
وقرأ الباقون بالنون ، وقد سبق تفسير هذا في الأنعام ، والمراد بالمجرمين المشركون والعصاة المأخوذون بذنوبهم
التي لم يغفرها الله لهم ، والمراد ب ( يومئذ ) يوم النفخ في الصور ، وانتصاب زرقا على الحال من المجرمين : أي زرق
العيون ، والزرقة الخضرة في العين كعين السنور والعرب تتشاءم بزرقة العين ، وقال الفراء زرقا : أي عمياء . وقال
الأزهري : عطاشا ، وهو قول الزجاج لأن سواد العين يتغير بالعطش إلى الزرقة . وقيل إنه كنى بقوله زرقا
عن الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة ، وقيل هو كناية عن شخوص البصر من شدة الحرص ، ومنه قول الشاعر :
لقد زرقت عيناك يا بن معكبر * كما كل ضبي من اللؤم أزرق *
والقول الأول أولى ، والجمع بين هذه الآية وبين قوله - ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما -
ما قيل من أن ليوم القيامة حالات ومواطن تختلف فيها صفاتهم ويتنوع عندها عذابهم ، وجملة ( يتخافتون بينهم )
في محل نصب على الحال ، أو مستأنفة لبيان ما هم فيه في ذلك اليوم ، والخفت في اللغة السكون ، ثم قيل لمن خفض
صوته خفته . والمعنى يتساررون : أي يقول بعضهم لبعض سرا ( إن لبثتم إلا عشرا ) أي ما لبثتم في الدنيا إلا عشر
ليال ، وقيل في القبور ، وقيل بين النفختين . والمعنى : أنهم يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا ، أو في القبور ،
أو بين النفختين لشدة ما يرون من أهوال القيامة . وقيل المراد بالعشر عشر ساعات . ثم لما قالوا هذا القول قال
الله سبحانه ( نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة ) أي أعدلهم قولا وأكملهم رأيا وأعلمهم عند نفسه ( إن
لبثتم إلا يوما ) أي ما لبثتم إلا يوما واحدا ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم ، لكونه أدل على شدة الهول ، لا لكونه
أقرب إلى الصدق ( ويسألونك عن الجبال ) أي عن حال الجبال يوم القيامة ، وقد كانوا سألوا النبي صلى الله عليه
وآله وسلم عن ذلك ، فأمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال ( فقل ينسفها ربى نسفا ) قال ابن الأعرابي وغيره :
يقلعها قلعا من أصولها ، ثم يصيرها رملا يسيل سيلا ، ثم يسيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا ،
ثم كالهباء المنثور . والفاء في قوله " فقل " لجواب شرط مقدر ، والتقدير : إن سألوك فقل ، أو للمسارعة إلى إلزام
السائلين ، والضمير في قوله ( فيذرها ) راجع إلى الجبال باعتبار مواضعها : أي فيذر مواضعها بعد نسف ما كان
عليها من الجبال ( قاعا صفصفا ) قال ابن الأعرابي القاع الصفصف الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء ، وقال
الفراء : القاع مستنقع الماء ، والصفصف القرعاء الملساء التي لا نبات فيها . وقال الجوهري : القاع المستوى من
الأرض ، والجمع أقوع واقواع وقيعان . والظاهر من لغة العرب أن القاع الموضع المنكشف ، والصفصف
المستوى الأملس ، وأنشد سيبويه :
وكم دون بيتك من صفصف * ودكداك رمل وأعقادها
وانتصاب قاعا على أنه مفعول ثان ليذر على تضمينه معنى التصيير ، أو على الحال ، والصفصف صفة له ،
ومحل ( لا ترى فيها عوجا ) النصب على أنه صفة ثانية لقاعا ، والضمير راجع إلى الجبال بذلك الاعتبار ، والعوج
بكسر العين التعوج ، قاله ابن الأعرابي . والأمت التلال الصغار ، والأمت في اللغة المكان المرتفع ، وقيل العوج
الميل والأمت الأثر مثل الشراك ، وقيل العوج الوادي ، والأمت الرابية ، وقيل هما الارتفاع ، وقيل العوج
الصدوع ، والأمت الأكمة ، وقيل الأمت الشقوق في الأرض ، وقيل الأمت أن يغلظ في مكان ويدق في مكان ،
ووصف مواضع الجبال بالعوج بكسر العين ها هنا يدفع ما يقال : إن العوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في
فتح القدير — صفحة 386
مساهمون: الشوكاني
ص٣٨٦