" حفظا " وهو منتصب على التمييز ، وهى قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر . وقرأ سائر الكوفيين " حافظا "
منتصب على الحال . وقال الزجاج : على البيان يعني التمييز ، ومعنى الآية : أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له ،
لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه ، ولما قال في يوسف - وأخاف أن يأكله الذئب - وقع
له من الامتحان ما وقع . ( ولما فتحوا متاعهم ) أي أوعية الطعام أو ما هو أعم من ذلك مما يطلق عليه لفظ المتاع
سواء كان الذي فيه طعاما أو غير طعام ( وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ) أي البضاعة التي حملوها إلى مصر ليمتاروا
بها ، وقد تقدم بيانها ، وجملة ( قالوا يا أبانا ) مستأنفة كما تقدم ( ما نبغي ) ما استفهامية والمعنى : أي شئ نطلب من
هذا الملك بعد أن صنع معنا ما صنع من الإحسان برد البضاعة والإكرام عند القدوم إليه ، وتوفير ما أردناه من المبرة ،
ويكون الاستفهام للإنكار ، وجملة ( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) مقررة لما دل عليه الاستفهام من الإنكار لطلب
شئ مع كونها قد ردت إليهم . وقيل إن " ما " في ما نبغي نافية أي ما نبغي في القول وما نتزيد فيما وصفنا لك من
إحسان الملك إلينا وإكرامه لنا . ثم برهنوا على ما لقوه من التزيد في وصف الملك بقولهم ( هذه بضاعتنا ردت إلينا )
فإن من تفضل عليهم برد ذلك حقيق بالثناء عليه منهم ، مستحق لما وصفوه به ، ومعنى ( ونمير أهلنا ) نجلب إليهم
الميرة وهى الطعام ، والمائر الذي يأتي بالطعام . وقرأ السلمي بضم النون ، وهو معطوف على مقدر يدل عليه السياق
والتقدير : هذه بضاعتنا ردت إلينا فنحن نستعين بها على الرجوع ونمير أهلنا ( ونحفظ أخانا ) بنيامين مما تخافه
عليه ( ونزداد ) بسبب إرساله معنا ( كيل بعير ) أي حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه المرة ، لأنه كان يكال لكل
رجل وقر بعير ، ومعنى ( ذلك كيل يسير ) أن زيادة كيل بعير لأخينا يسهل على الملك ، ولا يمتنع علينا من زيادته
له لكونه يسيرا لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه ، وقيل إن المعنى : ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه حمل
بعير لأخينا . واختار الزجاج الأول . وقيل إن هذا من كلام يعقوب جوابا على ما قاله أولاده : ( ونزداد كيل بعير )
يعني إن حمل بعير شئ يسير لا يخاطر لأجله بالولد وهو ضعيف ، لأن جواب يعقوب هو ( قال لن أرسله معكم
حتى تؤتون موثقا من الله ) أي حتى تعطوني ما أثق به وأركن إليه من جهة الله سبحانه ، وهو الحلف به ، واللام
في ( لتأتنني به ) جواب القسم : لأن معنى ( حتى تؤتون موثقا من الله ) : حتى تحلفوا بالله لتأتني به : أي لتردن
بنيامين إلى . والاستثناء بقوله ( إلا أن يحاط بكم ) هو من أعم العام ، لأن ( لتأتنني به ) وإن كان كلاما مثبتا فهو في
معنى النفي . فكأنه قال : لا تمنعون من إتياني به في حال من الأحوال لعله من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم ، والإحاطة
مأخوذة من إحاطة العدو . ومن أحاط به العدو فقد غلب أو هلك . فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه ببنيامين
إلا أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه ، فيكون ذلك عذرا لكم عندي ( فلما آتوه موثقهم ) أي أعطوه ما طلبه منهم من
اليمين ( قال الله على ما نقول وكيل ) أي قال يعقوب : الله على ما قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته
منكم مطلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية ، فهو المعاقب لمن خاس في عهده وفجر في الحلف به ، أو موكول إليه
القيام بما شهد عليه منا .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إن إخوة يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم
وهم له منكرون ، جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه ، فوضعه على يده فجعل ينقره ويطن وينقره ويطن ،
فقال : إن هذا الجام ليخبرني عنكم خبرا ، هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ؟ وكان أبوه يحبه دونكم ،
وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجب وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله ، وجئتم على قميصه بدم كذب ؟ قال : فجعل
بعضهم ينظر إلى بعض ويعجبون . وأخرج أبو الشيخ عن وهيب قال : لما جعل يوسف ينقر الصواع ويخبرهم قام
فتح القدير — صفحة 39
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩