العصا ، فإن فيها مع تغير اللون الزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة . ثم صرح سبحانه
بالغرض المقصود من هذه المعجزات فقال ( اذهب إلى فرعون ) وخصه بالذكر لأن قومه تبع له ، ثم علل ذلك بقوله
( إنه طغى ) أي عصى وتكبر وكفر وتجبر وتجاوز الحد ، وجملة ( قال رب اشرح لي صدري ) مستأنفة جواب
سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال ؟ ومعنى شرح الصدر توسيعه ، تضرع عليه السلام إلى ربه وأظهر عجزه بقوله
- ويضيق صدري ولا ينطلق لساني - ، ومعنى تيسير الأمر تسهيله ( واحلل عقدة من لساني ) يعني العجمة التي
كانت فيه من الجمرة التي ألقاها في فيه وهو طفل : أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه ، قيل أذهب الله سبحانه تلك
العقدة جميعها بدليل قوله ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) وقيل لم تذهب كلها لأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية ،
بل سأل حل عقدة تمنع الإفهام بدليل قوله ( من لساني ) أي كائنة من عقد لساني ، ويؤيد ذلك قوله - هو أفصح
منى لسانا - ، وقوله حكاية عن فرعون - ولا يكاد يبين - ، وجواب الأمر قوله ( يفقهوا قولي ) أي يفهموا
كلامي ، والفقه في كلام العرب الفهم ، ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه ، قاله الجوهري ( واجعل لي
وزيرا من أهلي هارون أخي ) الوزير الموازر كالأكيل المواكل لأنه يحمل عن السلطان وزره : أي ثقله : قال
الزجاج : واشتقاقه في اللغة من الوزر ، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة ، والوزير الذي يعتمد الملك
على رأيه في الأمور ويلتجئ إليه . وقال الأصمعي : هو مشتق من الموازرة ، وهى المعاونة ، وانتصاب وزيرا
وهارون على أنهما مفعولا اجعل ، وقيل مفعولاه : لي وزيرا ، ويكون هارون عطف بيان للوزير ، والأول
أظهر ، ويكون لي متعلقا بمحذوف : أي كائنا لي ، ومن أهلي صفة لوزيرا ، وأخي بدل من هارون . قرأ الجمهور
" اشدد " بهمزة وصل ، " وأشركه " بهمزة قطع كلاهما على صيغة الدعاء : أي يا رب أحكم به قوتي واجعله شريكي
في أمر الرسالة ، والأزر القوة ، يقال آزره : أي قواه ، وقيل الظهر : أي اشدد به ظهري . وقرأ ابن عامر ويحيى
ابن الحارث وأبو حياة والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق " أشدد " بهمزة قطع ( وأشركه ) بضم الهمزة أي أشدد أنا به أزري
وأشركه أنا في أمري . قال النحاس : جعلوا الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله اجعل لي وزيرا ، وقرأ بفتح الياء
من أخي ابن كثير وأبو عمرو ( كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا ) هذا التسبيح والذكر هما الغاية من الدعاء المتقدم ،
والمراد التسبيح هنا باللسان ، وقيل المراد به الصلاة ، وانتصاب كثيرا في الموضعين على أنه نعت مصدر محذوف ،
أو لزمان محذوف ( إنك كنت بنا بصيرا ) البصير المبصر والبصير العالم بخفيات الأمور ، وهو المراد هنا : أي إنك
كنت بنا عالما في صغرنا فأحسنت إلينا فأحسن إلينا أيضا كذلك الآن .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في عصا موسى قال : أعطاه ملك من الملائكة إذ توجه إلى مدين
فكانت تضئ له بالليل ، ويضرب بها الأرض فتخرج له النبات ، ويهش بها على غنمه ورق الشجر . وأخرج ابن
أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ( وأهش بها على غنمي ) قال : أضرب بها الشجر فيتساقط
منه الورق على غنمي ، وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ( ولى
فيها مآرب ) قال : حوائج . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي نحوه ، وأخرج أيضا عن قتادة قال : كانت تضئ له بالليل ، وكانت عصا
آدم عليه السلام . وأخرج أيضا عن ابن عباس في قوله ( فألقاها فإذا هي حية تسعى ) قال : ولم تكن قبل ذلك حية
فمرت بشجرة فأكلتها ، ومرت بصخرة فابتلعتها ، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرا فنودي
أن يا موسى خذها ، فلم يأخذها ، ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف ، فقيل له في الثالثة : إنك من الآمنين فأخذها
فتح القدير — صفحة 363
مساهمون: الشوكاني
ص٣٦٣