سورة مريم الآية ( 61 - 63 )
قفى سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف ، وقدمه على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر
يعقوب : أي واقرأ عليهم من القرآن قصة موسى ( إنه كان مخلصا ) قرأ أهل الكوفة بفتح اللام : أي جعلناه مختارا
وأخلصناه ، وإن وقرأ الباقون بكسرها : أي أخلص العبادة والتوحيد لله غير مراء للعباد ( إنه كان رسولا نبيئا ) أي
أرسله الله إلى عباده فأنبأهم عن الله بشرائعه التي شرعها لهم ، فهذا وجه ذكر النبي بعد الرسول مع استلزام الرسالة
للنبوة ، فكأنه أراد بالرسول معناه اللغوي لا الشرعي ، والله أعلم . وقال النيسابوري : الرسول الذي معه كتاب من
الأنبياء ، والنبي الذي ينبئ عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب ، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص ،
إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه - رب هارون وموسى - انتهى ( وناديناه من جانب الطور
الأيمن ) أي كلمناه من جانب الطور ، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير ، ومعنى الأيمن : أنه كان ذلك
الجانب عن يمين موسى ، فإن الشجرة كانت في ذلك الجانب والنداء وقع منها ، وليس المراد يمين الجبل نفسه .
فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال . وقيل معنى الأيمن الميمون ، ومعنى النداء أنه تمثل له الكلام من ذلك الجانب
( وقربناه نجيا ) أي أدنيناه بتقريب المنزلة حتى كلمناه ، والنجي بمعنى المناجى كالجليس والنديم ، فالتقريب هنا
هو تقريب التشريف والإكرام ، مثلت حاله بحال من قربه الملك لمناجاته . قال الزجاج : قربه منه في المنزلة حتى
سمع مناجاته . وقيل إن الله سبحانه رفعه حتى سمع صريف القلم . روى هذا عن بعض السلف ( ووهبنا له من
رحمتنا ) أي من نعمتنا ، وقيل من أجل رحمتنا ، و ( هارون ) عطف بيان ، و ( نبيا ) حال منه ، وذلك حين سأل
ربه قال - واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي - ووصف الله سبحانه إسماعيل بصدق الوعد مع كونه جميع
الأنبياء كذلك ، لأنه كان مشهورا بذلك مبالغا فيه ، وناهيك بأنه وعد الصبر من نفسه على الذبح فوفى بذلك ،
وكان ينتظر لمن وعده بوعد الأيام والليالي ، حتى قيل إنه انتظر لبعض من وعده حولا . والمراد بإسماعيل هنا هو
إسماعيل بن إبراهيم ، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به فقال : هو إسماعيل بن حزقيل ، بعثه الله إلى قومه
فسلخوا جلدة رأسه ، فخيره الله فيما شاء من عذابهم ، فاستعفاه ورضى بثوابه ، وقد استدل بقوله تعالى في
إسماعيل ( وكان رسولا نبيا ) على أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته ،
وقيل إنه وصفه بالرسالة لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم ( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ) قيل المراد بأهله هنا
أمته ، وقيل جرهم ، وقيل عشيرته كما في قوله - وأنذر عشيرتك الأقربين - والمراد بالصلاة والزكاة هنا ، هما
العبادتان الشرعيتان ، ويجوز أن يراد معناهما اللغوي ( وكان عند ربه مرضيا ) أي رضيا زاكيا صالحا . قال الكسائي
والفراء : من قال مرضي بني على رضيت ، قالا : وأهل الحجاز يقولون مرضو ( واذكر في الكتاب إدريس )
اسم إدريس أخنوخ ، قيل هو جد نوح ، فإن نوحا هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وعلى هذا فيكون جد
أبي نوح ذكره الثعلبي وغيره ، وقد قيل إن هذا خطأ ، وامتناع إدريس للعجمة والعلمية . وهو أول من خط بالقلم
ونظر في النجوم والحساب ، وأول من خاط الثياب . قيل وهو أول من أعطى النبوة من بني آدم . وقد اختلف
في معنى قوله ( ورفعناه مكانا عليا ) فقيل إن الله رفعه إلى السماء الرابعة ، وقيل إلى السادسة ، وقيل إلى الثانية . وقد
روى البخاري في صحيحه من حديث الإسراء وفيه : ومنهم إدريس في الثانية ، وهو غلط من رواية شريك
فتح القدير — صفحة 338
مساهمون: الشوكاني
ص٣٣٨