كان يعبدها آزر . أورد إبراهيم عليه السلام على أبيه الدلائل والنصائح ، وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق
واللين استمالة لقلبه ، وامتثالا لأمر ربه ، ثم كرر دعوته إلى الحق فقال ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك )
أخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه . وأنه قد تجدد له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق ،
ويقتدر به على إرشاد الضال ، ولهذا أمره باتباعه فقال ( فاتبعني أهدك صراطا سويا ) مستويا موصلا إلى المطلوب
منجيا من المكروه ، ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال ( يا أبت لا تعبد الشيطان ) أي لا تطعه ،
فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان ، ثم علل ذلك بقوله ( إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) حين ترك ما أمره
به من السجود لآدم ، ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه فهو عاص لله ، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم
وتحل به النقم . قال الكسائي : العصي والعاصي بمعنى واحد ، ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال ( يا أبت
إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ( قال الفراء : معنى أخاف هنا أعلم . وقال الأكثرون : إن الخوف هنا
محمول على ظاهره ، لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر ، إذ لو كان جازما بذلك لم يشتغل بنصحه ،
ومعنى الخوف على الغير : هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير ( فتكون للشيطان وليا ) أي إنك إذا أطعت
الشيطان كنت معه في النار واللعنة ، فتكون بهذا السبب مواليا ، أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه ، وليس
هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه - الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو - وقيل الولي بمعنى التالي ، وقيل الولي
بمعنى القريب : أي تكون للشيطان قريبا منه في النار ، فلما مرت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع
آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة ، ف ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) والاستفهام للتقريع والتوبيخ
والتعجيب ، والمعنى : أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره ؟ ثم توعده فقال ( لئن لم تنته لأرجمنك ) أي
بالحجارة ، وقيل باللسان ، فيكون معناه لأشتمنك ، وقيل معناه لأضربنك ، وقيل لأظهرن أمرك ( واهجرني
مليا ) أي زمانا طويلا . قال الكسائي : يقال هجرته مليا وملوة وملاوة ، بمعنى الملاوة من الزمان ، وهو الطويل ،
ومنه قول مهلهل :
فتصدعت صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا
وقيل معناه : اعتزلني سالم العرض لا تصيبك مني معرة ، واختار هذا ابن جرير ، فمليا على هذا منتصب على
الحال من إبراهيم وعلى القول الأول منتصب على الظرفية ، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد ( قال سلام
عليك ) أي تحية توديع ومتاركة كقوله - وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقيل معناه : أمنة منى لك ، قاله
ابن جرير ، وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله ، والأول أولى . وبه قال الجمهور ، وقيل معناه : الدعاء له
بالسلامة ، استمالة له ورفقا به ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفا له وطمعا في لينه وذهاب قسوته :
والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه
وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر ، وتحق عليه الكلمة ، ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر
- فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه - بعد قوله - وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه - وجملة
( إنه كان بي حفيا ) تعليل لما قبلها ، والمعنى سأطلب لك المغفرة من الله ، فإنه كان بي كثير البر واللطف ، يقال
حفي به وتحفى إذا بره . قال الكسائي : يقال حفى بي حفاوة وحفوة . وقال الفراء : إنه كان بي حفيا : أي عالما
لطيفا يجيبني إذا دعوته . ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال ( وأعتزلكم وما تدعون من
دون الله ) أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي ( وأدعوا ربى )
فتح القدير — صفحة 336
مساهمون: الشوكاني
ص٣٣٦