الآية على أن الفقير أسوأ حالا من ( المسكين فأردت أن أعيبها ) أي أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها ( وكان
وراءهم ملك ) قال المفسرون : يعنى أمامهم ، ووراء يكون بمعنى أمام ، وقد مر الكلام على هذا في قوله - من
ورائه عذاب غليظ - وقيل أراد خلفهم ، وكان طريقهم في الرجوع عليه ، وما كان عندهم خبر بأنه ( يأخذ
كل سفينة غصبا ) أي كل سفينة صالحة لا معيبة ، وقد قرئ بزيادة صالحة روى ذلك عن أبي وابن عباس . وقرا
جماعة بتشديد السين من مساكين ، واختلف في معناها ، فقيل هم ملاحو السفينة ، وذلك أن المساك هو الذي
يمسك السفينة ، والأظهر قراءة الجمهور بالتخفيف ( وأما الغلام ) يعنى الذي قتله ( فكان أبواه مؤمنين ) أي ولم
يكن هو كذلك ( فخشينا أن يرهقهما ) أي يرهق الغلام أبويه ، يقال رهقه : أي غشيه ، وأرهقه أغشاه . قال
المفسرون : معناه خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه في دينه ، وهو الكفر ، ( وطغيانا ) مفعول يرهقهما
( وكفرا ) معطوف عليه ، وقيل المعنى : فخشينا أن يرهق الوالدين طغيانا عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه . قيل
ويجوز أن يكون فخشينا من كلام الله ، ويكون المعنى كرهنا كراهة من خشي سوء عاقبة أمره فغيره ، وهذا
ضعيف جدا ، فالكلام كلام الخضر . وقد استشكل بعض أهل العلم قتل الخضر لهذا الغلام بهذه العلة ، فقيل إنه
كان بالغا وقد استحق ذلك بكفره ، وقيل كان يقطع الطريق فاستحق القتل لذلك ، ويكون معنى فخشينا
أن يرهقهما طغيانا وكفرا : أن الخضر خاف على الأبوين أن يذبا أن عنه ويتعصبا له فيقعا في المعصية ، وقد يؤدى ذلك
إلى الكفر والارتداد . والحاصل أنه لا إشكال في قتل الخضر له إذا كان بالغا كافرا أو قاطعا للطريق هذا فيما
تقتضيه الشريعة الإسلامية ، ويمكن أن يكون للخضر شريعة من عند الله سبحانه تسوغ له ذلك ، وأما إذا كان
الغلام صبيا غير بالغ ، فقيل إن الخضر علم بإعلام الله له أنه لو صار بالغا لكان كافرا يتسبب عن كفره إضلال
أبويه وكفرهما ، الله وهذا وإن كان ظاهر الشريعة الإسلامية يأباه ، فإن قتل من لا ذنب له ولا قد جرى عليه قلم
التكليف لخشية أن يقع منه بعد بلوغه ما يجوز به قتله لا يحل في الشريعة المحمدية ، ولكنه حل في شريعة أخرى ،
فلا إشكال . وقد ذهب الجمهور إلى أن الخضر كان نبيا ( فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه ) قرأ الجمهور بفتح
الباء الموحدة وتشديد الدال . وقرأ عاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بسكون الباء وتخفيف الدال ، والمعنى :
أردنا أن يرزقهما الله بدل هذا الولد ولدا خيرا منه ( زكاة ) أي دينا وصلاحا وطهارة من ( الذنوب وأقرب رحما )
قرأ ابن عباس وحمزة والكسائي وابن كثير وابن عامر " رحما " بضم الحاء . وقرأ الباقون بسكونها ، ومعنى الرحم
الرحمة ، يقال رحمه الله رحمة ورحمي ، والألف للتأنيث ( وأما الجدار ) يعنى الذي أصلحه ( فكان لغلامين يتيمين
في المدينة ) هي القرية المذكورة سابقا ، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة ( وكان تحته كنز لهما ) قيل
كان مالا جسيما كما يفيده اسم الكنز ، إذ هو المال المجموع . قال الزجاج : المعروف في اللغة ان الكنز إذا أفرد :
فمعناه المال المدفون ، فإذا لم يكن مالا قيل : كنز علم وكنز فهم ، وقيل لوح من ذهب ، وقيل صحف مكتوبة
( وكان أبوهما صالحا ) فكان صلاحه مقتضيا لرعاية ولديه وحفظ مالهما ، قيل هو الذي دفنه ، وقيل هو الأب
السابع من عند الدافن له ، وقيل العاشر ( فأراد ربك ) أي مالكك ومدبر أمرك ، وأضاف الرب إلى ضمير موسى
تشريفا له ( أن يبلغا أشدهما ) أي كمالهما وتمام نموهما ( قال ويستخرجا كنزهما ) من ذلك الموضع الذي عليه الجدار ،
ولو انقض لخرج الكنز من تحته ( رحمة من ربك ) لهما ، وهو مصدر في موضع الحال : أي مرحومين من الله سبحانه ( وما فعلته عن أمري ) أي عن اجتهادي ورأيي ، وهو تأكيد لما قبله ، فقد علم بقوله فأراد ربك أنه لم
يفعله الخضر عن أمر نفسه ( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) أي ذلك المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك
فتح القدير — صفحة 304
مساهمون: الشوكاني
ص٣٠٤