آمنوا ، والعائد محذوف : أي من أحسن منهم عملا ، وجملة ( أولئك لهم جنات عدن ) استئناف لبيان الأجر ،
والإشارة إلى من تقدم ذكره ، وقيل يجوز أن يكون أولئك خبر إن الذين آمنوا ، وتكون جملة ( إنا لا نضيع )
اعتراضا ، ويجوز أن يكون أولئك خبرا بعد خبر ، وقد تقدم الكلام في جنات عدن ، وفى كيفية جري الأنهار من
تحتها ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) قال الزجاج : أساور جمع أسورة ، وأسورة جمع سوار ، وهى زينة تلبس
في الزند من اليد وهى من زينة الملوك ، قيل يحلى كل واحد منهم ثلاثة أسورة : واحد من فضة واحد من لؤلؤ
وواحد من ذهب ، وظاهر الآية أنها جميعها من ذهب ، ويمكن أن يكون قول القائل هذا جمعا بين الآيات لقوله
سبحانه في آية أخرى - أساور من فضة - ولقوله في آية أخرى ( ولؤلؤا ) ومن في قوله من أساور للابتداء ، وفى
من ذهب للبيان . وحكى الفراء يحلون بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام ، يقال حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا
لبست الحلي ( ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ) قال الكسائي : السندس الرقيق واحده سندسة ، والإستبرق
ماثخن وكذا قال المفسرون ، وقيل الإستبرق هو الديباج كما قال الشاعر : * وإستبرق الديباج طورا لباسها *
وقيل هو المنسوج بالذهب . قال القتيبي : هو فارسي معرب . قال الجوهري : وتصغيره أبيرق ، وخص الأخضر
لأنه الموافق للبصر ولكونه أحسن الألوان ( متكئين فيها على الأرائك ) قال الزجاج : الأرائك جمع أريكة ، وهى
السرر في الحجال ، وقيل هي أسرة من ذهب مكللة بالدر والياقوت ، وأصل اتكأ أو تكأ ، وأصل متكئين
موتكئين ، والاتكاء التحامل على الشئ ( نعم الثواب ) ذلك الذي أثابهم الله به ( وحسنت ) تلك الأرائك ( مرتفقا )
أي متكأ وقد تقدم قريبا .
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( ملتحدا ) قال : ملتجأ . وأخرج ابن
مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في : الشعب عن سلمان قال : جاءت المؤلفة قلوبهم : عيينة بن بدر ، والأقرع
ابن حابس قالوا يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم ، يعنون سلمان وأبا ذر
وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف ، جالسناك وحادثناك وأخذنا عنك ، فأنزل الله ( واتل ما أوحى
إليك ) إلى قوله ( إنا اعتدنا للظالمين نارا ) زاد أبو الشيخ عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام
يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر
نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا والممات . وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن سهل
ابن حنيف قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بعض أبياته ( واصبر نفسك مع الذين
يدعون ربهم بالغداة والعشي ) فخرج يلتمسهم فوجد قوما يذكرون الله منهم ثائر الرأس وحاف الجلد وذو الثوب
الخلق ، فلما رآهم جلس معهم وقال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم . وأخرج
البزار عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا " جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة
الكهف فسكت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم " وفى
الباب روايات . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع قال : أخبرني عبد الله بن عمر
في هذه الآية ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ) أنهم الذين يشهدون الصلوات الخمس . وأخرج ابن
أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس مثله . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده في قوله ( واصبر نفسك ) الآية قال : نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر . وأخرج ابن مردويه من
طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) قال : نزلت في أمية بن
فتح القدير — صفحة 283
مساهمون: الشوكاني
ص٢٨٣