سورة الكهف الآية ( 5 - 8 )
علم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم ، ووصفه بالموصول يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله
ووجه كون إنزال الكتاب ، وهو القرآن نعمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كونه اطلع بواسطته على
أسرار التوحيد ، وأحوال الملائكة والأنبياء ، وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله وتعبد أمته بها ، وكذلك
العباد كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم لمثل ما ذكرناه في النبي ( ولم يجعل له عوجا ) أي شيئا من الغوج بنوع من
أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى ، والعوج بالكسر في المعاني ، وبالفتح في الأعيان كذا قيل ، ويرد عليه قوله
سبحانه - لا ترى فيها عوجا ولا أمتا - يعني الجبال ، وهى من الأعيان . قال الزجاج : المعنى في الآية لم يجعل فيها
اختلافا كما قال - ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا - . والقيم المستقيم الذي لا ميل فيه ، أو القيم
بمصالح العباد الدينية والدنيوية ، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمنا عليها ، وعلى الأول يكون تأكيدا لما
دل عليه نفى العوج ، فرب مستقيم في الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة ، وانتصاب قيما بمضمر : أي جعله
قيما ومنع صاحب الكشاف أن يكون حالا من الكتاب ، لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز
الصلة ، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة . وقال الأصفهاني : هما حالان
متواليان إلا أن الأول جملة والثاني مفرد ، وهذا صواب لأن قوله ( ولم يجعل ) لم يكن معطوفا على ما قبله بل الواو
للحال ، فلا فصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة ، وقيل إن قيما حال من ضمير لم يجعل له ، وقيل في الكلام
تقديم وتأخير ، والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ، ثم أراد سبحانه أن يفصل ما أجمله في
قوله قيما فقال ( لينذر بأسا شديدا ) وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم ، والمعنى لينذر الكافرين . والبأس
العذاب ، ومعنى ( من لدنه ) صادرا من لدنه نازلا من عنده . روى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ من لدنه باشمام الدال
الضمة ، وبكسر النون والهاء . وهى لغة الكلابيين . وروى أبو زيد عن جميع القراء فتح اللام وضم الدال وسكون
النون ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ) قرئ يبشر بالتشديد والتخفيف ، وأجرى الموصول على
موصوفه المذكور ، لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان ( أن لهم أجرا حسنا ) وهو الجنة حال كونهم ( ماكثين فيه )
أي في ذلك الأجر ( أبدا ) أي مكثا دائما لا انقطاع له ، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار
ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به ، وهو البأس الشديد ، لتقدم ذكره فقال ( وينذر الذين
قالوا اتخذ الله ولدا ) وهم اليهود والنصارى وبعض كفار قريش . القائلون بأن الملائكة بنات الله ، فذكر سبحانه
أولا قضية كلية ، وهى إنذار عموم الكفار ، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية ، تنبيها
على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية . فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر ( ما لهم به من علم )
أي بالولد ، أو اتخاذ الله إياه ، ومن مزيدة لتأكيد النفي ، والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة ،
والمعنى : مالهم بذلك علم أصلا ( ولا لآبائهم ) علم ، بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة ، وقلدهم أبناؤهم
فضلوا جميعا ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) انتصاب كلمة على التمييز ، وقرئ بالرفع على الفاعلية . قال
الفراء : كبرت تلك الكلمة كلمة . وقال الزجاج : كبرت مقالتهم كلمة ، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ الله
فتح القدير — صفحة 269
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٩