والأول أولى ( وابتغ بين ذلك ) أي الجهر والمخافتة المدلول عليها بالفعلين ( سبيلا ) أي طريقا متوسطا بين الأمرين
فلا تكن مجهورة ولا مخافتا بها ، وعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها ،
والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها ، والأمر بجعل البعض منها مجهورا به ، وهو صلاة الليل والمخافتة بصلاة
النهار ، وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله - ادعوا ربكم تضرعا وخفية - ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى
إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية الحمد له فقال ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) كما تقوله اليهود والنصارى ،
ومن قال من المشركين إن الملائكة بنات الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ( ولم يكن له شريك في الملك ) أي مشارك
له في ملكه وربوبيته كما تزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة ( ولم يكن له ولى من الذل ) أي
لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير . قال الزجاج : أي لم يحتج أن ينتصر بغيره ،
وفى التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات ، لأنه القادر على
الإيجاد وإفاضة النعم لكون الولد مجبنة ومبخلة ، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه ،
والمحدث غير قادر على كمال الإنعام ، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به ، ومن لا يقدر
على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له ، فضلا عن نظام ما هو عليه ، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين
الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه ومؤديه فإن إلى الفساد - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا -
والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى
بنفسه ( وكبره تكبيرا ) أي عظمه تعظيما وصفه بأنه أعظم من كل شئ .
وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ذات
يوم فقال في دعائه : يا الله يا رحمن ، فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا ان ندعوا إلهين ، وهو يدعو
إلهين ، فأنزل الله - قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - الآية " . وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال : إن اليهود
سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرحمن ، وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمن ، فنزلت الآية .
وهو مرسل . وأخرج ابن جرير عن مكحول " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتهجد بمكة ذات ليلة يقول
في سجوده يا رحمن يا رحيم ، فسمعه رجل من المشركين ، فلما أصبح قال لأصحابه : إن ابن أبي كبشة يدعو الليلة
الرحمن الذي باليمن ، وكان رجل باليمن يقال له الرحمن ، فنزلت " . وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق نهشل بن
سعيد عن الضحاك عن ابن عباس قال " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله ( قل ادعوا الله أو
ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ) إلى آخر الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هو أمان من السرق " وإن
رجلا من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلاها حيث أخذ مضجعه ، فدخل عليه سارق
فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب فوجد الباب مردودا ، فوضع الكارة ، ففعل
ذلك ثلاث مرات ، فضحك صاحب الدار ثم قال : إني حصنت بيتي . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن
عباس في قوله ( ولا تجهر بصلاتك ) الآية قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوار ، فكان إذا
صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ، فقال الله لنبيه
( ولا تجهر بصلاتك ) أي بقراءتك ، فيسمع المشركون ، فيسبوا القرآن ( ولا تخافت بها ) عن أصحابك ، فلا
تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) يقول : بين الجهر والمخافتة . وأخرج ابن مردويه عنه
قال كان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقراءة بمكة فيؤذي ، فأنزل الله ( ولا تجهر بصلاتك ) . وأخرج
فتح القدير — صفحة 266
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٦