إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه ، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير ، فكأنه قال
للولد اكفل والديك بأن بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك . والثاني أن الطائر إذا أراد
الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد النزول خفض جناحه ، فصار خفض الجناح كناية عن التواضع وترك
الارتفاع ، وفى إضافة الجناح إلى الذل وجهان : الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك حاتم الجود ،
فالأصل فيه الجناح الذليل ، والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحا ثم أثبت لذلك الجناح خفضا .
وقرأ الجمهور الذل بضم الذال من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذليل . وقرأ سعيد بن جبير وعروة بن الزبير
بكسر الذال ، وروى ذلك عن ابن عباس وعاصم ، من قولهم دابة ذلول بنية الذل : أي منقادة سهلة لا صعوبة
فيها ، ومن الرحمة فيه معنى التعليل : أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما عمر اليوم لمن كان
أفقر خلق الله إليهما بالأمس ، ثم كأنه قال له سبحانه ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ( ( و ) لكن ( قل رب
ارحمهما كما ربياني صغيرا ) والكاف في محل نصب على أنه صفة لمصدر محذوف : أي رحمة مثل تربيتهما لي أو مثل
رحمتهما لي ، وقيل ليس المراد رحمة مثل الرحمة بل الكاف لاقترانهما في الوجود فلتقع هذه كما وقعت تلك . والتربية
التنمية ، ويجوز أن يكون الكاف للتعليل : أي لأجل تربيتهما لي كقوله - واذكروه كما هداكم - ولقد بالغ سبحانه
في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر لها جلود أهل العقوق وتقف عندها شعورهم .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ( من كان يريد العاجلة ) قال : من كان يريد بعمله الدنيا
( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) ذاك به . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله
( كلا نمد ) الآية قال : كل يرزق الله في الدنيا البر والفاجر . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس
في الآية قال : يرزق الله من أراد الدنيا ويرزق من أراد الآخرة . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال ( محظورا )
ممنوعا . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد مثله . وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية
عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع بها إلا وضعه
الله في الآخرة درجة أكبر منها وأطول ، ثم قرأ ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) " وهو من رواية زاذان
عن سلمان ، وثبت في الصحيحين " أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما يرون الكوكب الغابر في أفق
السماء " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( مذموما ) يقول ملوما . وأخرج
الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن
عباس أنه قرأ : ووصى ربك ، مكان وقضى ، وقال : التزقت الواو والصاد وأنتم تقرؤنها وقضى ربك .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه مثله . وأخرج أبو عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من
طريق ميمون بن مهران عنه أيضا مثله وزاد ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد . وأقول : إنما يلزم هذا لو كان
القضاء بمعنى الفراغ من الأمر ، وهو وإن كان أحد معاني مطلق القضاء ، كما في قوله - قضى الأمر الذي فيه
تستفتيان - . وقوله - فإذا قضيتم مناسككم - فإذا قضيتم الصلاة - ولكنه ها هنا بمعنى الأمر ، وهو أحد معاني
القضاء والأمر لا يستلزم ذلك ، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه ، ومن جملة ذلك إفراده بالعبادة وتوحيده
وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين ، ومن معاني مطلق القضاء معان أخر غير هذين المعنيين كالقضاء
بمعنى الخلق ، ومنه - فقضاهن سبع سماوات - . وبمعنى الإرادة كقوله - إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون - .
وبمعنى العهد كقوله - وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر - . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر من
فتح القدير — صفحة 219
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٩