آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط كالأول ، إذ لا يكون علم عدد السنين والحساب ، إلا باختلاف الجديدين ومعرفة
الأيام والشهور والسنين . والفرق بين العدد والحساب أن العدد إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من غير أن
يتحصل منه شئ . والحساب إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له
اسم خاص ، فالسنة مثلا إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد ، وإن وقع النظر إليها من حيث
تحققها وتحصلها من عدة أشهر ، قد يحصل كل شهر من عدة أيام . قد يحصل كل يوم من عدة ساعات ، قد
تحصلت كل ساعة من عدة دقائق ، فذلك هو الحساب ( وكل شئ فصلناه تفصيلا ) أي كل ما تفتقرون إليه في أمر
دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس ، وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الأعذار - ليهلك من هلك عن بينة -
ولهذا قال ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) قال أبو عبيدة : الطائر عند العرب الحظ ، ويقال له البخت ،
فالطائر ما وقع للشخص في الأزل بما هو نصيبه من العقل والعمل والعمر والرزق والسعادة والشقاوة ، كأن طائرا
يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيرانا لا نهاية له ولا غاية إلى أن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته
المقدر من غير خلاص ولا مناص . وقال الأزهري : الأصل في هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من
ذريته والعاصي . فكتب ما علمه منهم أجمعين ، وقضى سعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فطار لكل
منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه ، وذلك قوله ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) أي ما طار له في علم
الله . وفى عنقه عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس . قال الزجاج : ذكر العنق عبارة عن اللزوم
كلزوم القلادة العنق ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) قرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن محيصن
وأبو جعفر ويعقوب " ويخرج " بالمثناة التحتية المفتوحة وبالراء المضمومة على معنى ويخرج له الطائر ، وكتابا
منصوب على الحال ، ويجوز أن يكون المعنى : يخرج لها الطائر فيصير كتابا . وقرأ يحيى بن وثاب " يخرج " بضم
الياء وكسر الراء : أي يخرج الله . وقرأ شيبة ومحمد بن السميفع . وروى أيضا عن أبي جعفر " يخرج " بضم الياء
وفتح الراء على البناء للمفعول : أي ويخرج له الطائر كتابا . وقرأ الباقون " ونخرج " بالنون على أن المخرج هو الله
سبحانه وكتابا مفعول به . واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله تعالى ألزمناه . وقرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر
يلقاه بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف . وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ، وإنما قال سبحانه
( يلقاه منشورا ) تعجيلا للبشرى بالحسنة وللتوبيخ على السيئة ( اقرأ كتابك ) أي نقول له اقرأ كتابك ، أو قائلين له ،
قيل يقرأ ذلك الكتاب من كان قارئا . ومن لم يكن قارئا ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) الباء في بنفسك زائدة
وحسيبا تمييز : أي حاسبا . قال سيبويه : ضريب القداح بمعنى ضاربها . وصريم بمعنى صارم ، ويجوز أن
يكون الحسيب بمعنى الكافي ، ثم وضع موضع الشهيد فعدي بعلي ، والنفس بمعنى الشخص ، ويجوز أن يكون
الحسيب بمعنى المحاسب كالشريك والجليس ( من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ) بين سبحانه أن ثواب العمل الصالح
وعقاب ضده يختصان بفاعلهما لا يتعدان منه إلى غيره . فمن اهتدى بفعل ما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه ، فإنما
تعود منفعة ذلك إلى نفسه ، ( ومن ضل ) عن طريق الحق فلم يفعل ما أمر به ، ولم يترك ما نهى عنه ( فإنما يضل
عليها ) أي فإن وبال ضلاله واقع على نفسه لا يجاوزها ، فكل أحد محاسب عن نفسه مجزي بطاعته معاقب بمعصيته ،
ثم أكد هذا الكلام بأبلغ تأكيد فقال ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) والوزر الإثم ، يقال وزر يزر وزرا ووزرة ،
أي إثما ، والجمع أوزار . والوزر الثقل . ومنه - يحملون أوزارهم على ظهورهم - أي أثقال ذنوبهم : ومعنى
الآية : لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها وتؤخذ به الأولى ، وقد
تقدم مثل هذا في الأنعام . قال الزجاج في تفسير هذه الآية : إن الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ( وما كنا
فتح القدير — صفحة 213
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٣