كانت عند إرادة غيره أولى ، كذا قيل . وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإشعار بأن
غيره أولى منه بفعل الاستعاذة ، لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته ، فكيف بسائر أمته ؟ وقد
ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب . وروى عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر . وقد تقدم الكلام في
الاستعاذة مستوفى في أول هذا التفسير ، والضمير في ( إنه ليس له سلطان ) للشأن أو للشيطان : أي ليس له تسلط
( على ) إغواء ( الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة .
وقالوا : المعنى ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة . ومعنى ( وعلى ربهم يتوكلون )
يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل ، فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم ، وإن
وسوس لأحد منهم لا تؤثر فيه وسوسته وهذه الجملة تعليل للأمر بالاستعاذة ، وهؤلاء الجامعون بين الإيمان
والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس : - إلا عبادك عنهم المخلصين - وقال الله فيهم : - إن عبادي ليس لك عليهم
سلطان إلا من اتبعك من الغاوين - ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان - فقال ( إنما سلطانه ) أي تسلطه على الإغواء
( على الذين يتولونه ) أي يتخذونه وليا ويطيعونه في وساوسه ( والذين هم به مشركون ) الضمير في به يرجع إلى
الله تعالى : أي الذين هم بالله مشركون ، وقيل يرجع إلى الشيطان ، والمعنى : والذين هم من أجله وبسبب وسوسته
مشركون بالله ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها . ومعنى التبديل :
رفع الشئ مع وضع غيره مكانه ، وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها ، وهو نسخها بآية سواها ، وقد تقدم الكلام
في النسخ في البقرة ( قالوا ) أي كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ ( إنما أنت ) يا محمد ( مفتر ) أي كاذب
مختلق على الله متقول عليه بما لم يقل حيث تزعم أنه أمرك بشئ . ثم تزعم أنه أمرك بخلافه ، فرد الله سبحانه عليهم بما
يفيد جهلهم فقال ( بل أكثرهم لا يعلمون ) شيئا من العلم أصلا ، أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ ، فإنه مبنى على
المصالح التي يعلمها الله سبحانه ، فقد يكون في شرع هذا الشئ مصلحة مؤقتة بوقت ، ثم تكون المصلحة بعد
ذلك الوقت في شرع غيره ، ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق
واللطف . ثم بين سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله ، وأن رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم افتراه فقال ( قل نزله ) أي القرآن المدلول عليه بذكر الآية ( روح القدس ) أي جبريل .
والقدس التطهير ، والمعنى : نزله الروح المطهر من أدناس البشرية . فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ( من
ربك ) أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه ، و ( بالحق ) في محل نصب على الحال : أي متلبسا بكونه حقا ثابتا
لحكمة بالغة ( ليثبت الذين آمنوا ) على الإيمان ، فيقولون : كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا ، ولأنهم أيضا
إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم . وقرئ " ليثبت " من الإثبات
( وهدى وبشرى للمسلمين ) وهما معطوفان على محل ليثبت : أي تثبيتا لهم وهداية وبشارة ، وفيه تعريض بحصول
أضداد هذه الخصال لغيرهم . ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبههم فقال ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر )
اللام هي الموطئة : أي ولقد نعلم أن هؤلاء الكفار يقولون إنما يعلم محمدا القرآن بشر من بني آدم غير ملك . وقد
اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا ، فقيل هو غلام الفاكه بن المغيرة ، واسمه جبر ،
وكان نصرانيا فأسلم ، وكان كفار قريش إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار القرون الأولى مع
كونه أميا ، قالوا : إنما يعلمه جبر ، وقيل اسمه يعيش ، عبد لبنى الحضرمي ، وكان يقرأ الكتب الأعجمية . وقيل
غلام لبنى عامر بن لؤي . وقيل هما غلامان : اسم أحدهما يسار ، واسم الآخر جبر ، وكانا صيقليين يعملان
فتح القدير — صفحة 194
مساهمون: الشوكاني
ص١٩٤