فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان : أحدهما أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من
السمع إلى غيرهم فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ، ولذلك انقطعت الكهانة . والثاني أنهم يقتلون بعد إلقائهم
ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن ، قال ذكره الماوردي ، ثم قال : والقول الأول أصح . قال : واختلف
هل كان رمى بالشهب قبل المبعث ، فقال الأكثرون نعم ، وقيل لا وإنما ذلك بعد المبعث . قال الزجاج : والرمي
بالشهب من آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم .
قال كثير من أهل العلم : نحن نرى انقضاض الكواكب . فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ، ثم يصير نارا إذا
أدرك الشيطان . ويجوز أن يقال يرمون بشعلة من نار الهواء فيخيل إلينا أنه نجم يسرى ( والأرض مددناها ) أي
بسطناها وفرشناها كما في قوله - والأرض بعد ذلك دحاها - وفى قوله - والأرض فرشناها فنعم الماهدون - وفيه
رد على من زعم أنها كالكرة ( وألقينا فيها رواسي ) أي جبال ثابتة لئلا تحرك بأهلها ، وقد تقدم بيان ذلك في
سورة الرعد ( وأنبتنا فيها من كل شئ موزون ) أي أنبتنا في الأرض من كل شئ مقدر معلوم ، فعبر عن ذلك
بالوزن لأنه مقدار تعرف به الأشياء ومنه قول الشاعر :
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه
وقيل معنى موزون مقسوم ، وقيل معدود ، والمقصود من الإثبات الإنشاء والإيجاد ، وقيل الضمير راجع
إلى الجبال : أي أنبتنا في الجبال من كل شئ موزون من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحو ذلك ، وقيل
موزون بميزان الحكمة ، ومقدر بقدر الحاجة ، وقيل الموزون هو المحكوم بحسنه كما يقال كلام موزون . أي
حسن ( وجعلنا لكم فيها معايش ) تعيشون بها من المطاعم والمشارب جمع معيشة ، وقيل هي الملابس . وقيل هي
التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة . قال الماوردي : وهو الظاهر . قلت : بل القول الأول أظهر ، ومنه قول
جرير :
تكلفني معيشة آل زيد * ومن لي بالمرقق والضباب
( ومن لستم له برازقين ) معطوف على معايش : أي وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين : وهم المماليك
والخدم والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله . وإن ظن بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب ،
ويجوز أن يكون معطوفا على محل لكم : أي جعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش ، وهم
من تقدم ذكره ، ويدخل في ذلك الدواب على اختلاف أجناسها . ولا يجوز العطف على الضمير المجرور في لكم
لأنه لا يجوز عند الأكثر إلا بإعادة الجار ، وقيل أراد الوحش ( وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ) إن هي النافية ومن
مزيدة للتأكيد ، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من ، ومع لفظ شئ المتناول لكل
الموجودات الصادق على كل فرد منها . فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شئ : والخزائن
جمع خزانة : وهى المكان الذي يحفظ فيه نفائس الأمور . وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور ، والمعنى :
أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجوب بمقدار كيف شاء . وقال جمهور المفسرين : إن
المراد بما في هذه الآية هو المطر . لأنه سبب الأرزاق والمعايش ، وقيل الخزائن المفاتيح : أي ما من شئ إلا عندنا
في السماء مفاتيحه . والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود . بل قد يصدق الشئ على المعدوم على الخلاف
المعروف في ذلك ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) أي ما ننزله من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد إلا بقدر معلوم .
والقدر والمقدار ، والمعنى : أن الله سبحانه لا يوجد للعباد شيئا من تلك الأشياء المذكورة إلا متلبسا ذلك الإيجاد
فتح القدير — صفحة 126
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٦