سورة الحجر الآية ( 16 - 25 ) لما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم وعجز أصنامهم ، ذكر قدرته الباهرة وخلقه البديع ليستدل بذلك
على وحدانيته ، فقال ( ولقد جعلنا في السماء بروجا ) الجعل إن كان بمعنى الخلق ، ففي السماء متعلق به ، وإن كان
بمعنى التصيير ففي السماء خبره ، والبروج في اللغة : القصور والمنازل ، والمراد بها هنا منازل الشمس والقمر
والنجوم السيارة ، وهى الاثنا عشر المشهورة كما تدل على ذلك لتجربة ، والعرب تعد المعرفة بمواقع النجوم
ومنازلها من أجل العلوم ، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب ، وقالوا الفلك اثنا عشر
برجا ، وأسماء هذه البروج : الحمل ، الثور ، الجوزاء ، السرطان ، الأسد ، السنبلة ، الميزان ، العقرب ، والقوس ،
الجدي ، الدلو ، الحوت . كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة المشتغلين بهذا العلم ، ويسمون الحمل
والأسد والقوس مثلثة نارية ، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية ، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية ،
والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية . وأصل البروج الظهور . ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها . وقال الحسن
وقتادة : البروج النجوم ، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها - وقيل : السبعة السيارة منها قاله أبو صالح :
وقيل : هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس ، والضمير في وزيناها راجع إلى السماء : أي وزينا السماء بالشمس
والقمر والنجوم والبروج للناظرين إليها : أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين إذا كان من النظر . وهو الاستدلال
( وحفظناها ) أي السماء ( من كل شيطان رجيم ) قال أبو عبيدة الرجيم المرجوم بالنجوم ، كما في قوله - رجوما
للشياطين - والرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة ، ثم قيل للعن والطرد والإبعاد رجم ، لأن الرامي بالحجارة يوجب
هذه المعاني ( إلا من استرق السمع ) استثناء متصل : أي إلا ممن استرق السمع ، ويجوز أن يكون منقطعا : أي
ولكن من استرق السمع ( فأتبعه شهاب مبين ) والمعنى : حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره
إلا من استرق السمع فإنها تتبعه الشهب فتقتله أو تخبله : ومعنى فأتبعه : تبعه ولحقه أو أدركه . والشهاب : الكوكب
أو النار المشتعلة الساطعة كما في قوله - بشهاب قبس - قال ذو الرمة : * كأنه كوكب في إثر عفريت * وسمى
الكوكب شهابا لبريقه شبه النار ، والمبين : الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم . قال القرطبي : واختلف في
الشهاب هل يقتل أم لا ؟ فقال ابن عباس : الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل ، وقال الحسن وطائفة : يقتل .
فتح القدير — صفحة 125
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٥