عطف على إطعام . قرئ بضم الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة . وقرأ سعيد بن جبير ومحمد
ابن السميفع اليماني " أو كأسوتهم " : يعني كأسوة أهليكم والكسوة في الرجال تصدق على ما يكسو البدن ولو كان ثوبا
واحدا ، وهكذا في كسوة النساء ، وقيل الكسوة للنساء درع وخمار ، وقيل المراد بالكسوة ما تجزئ به الصلاة .
قوله ( أو تحرير رقبة ) أي إعتاق مملوك ، والتحرير : الإخراج من الرق ، ويستعمل التحرير في فك الأسير
وإعفاء المجهود بعمل عن عمله وترك إنزال الضرر به ، ومنه قول الفرزدق :
أبني غدانة أنني حررتكم * فوهبتكم لعطية بن جعال
أي حررتكم من الهجاء الذي كان سيضع منكم ويضر بأحسابكم .
ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي تجرئ في الكفارة ، وظاهر هذه الآية أنها تجزئ كل رقبة على أي صفة
كانت . وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان فيها قياسا على كفارة القتل ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام )
أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام ، وقرئ " متتابعات " حكى ذلك عن ابن
مسعود وأبى ، فتكون هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم . وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قول الشافعي .
وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئ التفريق ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) أي ذلك المذكور كفارة
أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم ، ثم أمرهم بحفظ الأيمان وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها ، والإشارة بقوله ( كذلك )
إلى مصدر الفعل المذكور بعده ، أي مثل ذلك البيان ( يبين الله لكم ) وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز
( لعلكم تشكرون ) ما أنعم به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه .
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم )
في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا
عليها ؟ فأنزل الله ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في اللغو قال : هو
الرجل يحلف على الحلال . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : هما الرجلان يتبايعان ، يقول أحدهما والله
لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر والله لا أشتريه بكذا . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن النخعي قال : اللغو أن
يصل كلامه بالحلف : والله لتأكلن والله لتشربن ونحو هذا لا يريد به يمينا ولا يتعمد حلفا . فهو لغو اليمين ليس
عليه كفارة ، وقد تقدم الكلام في البقرة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ( ولكن يؤاخذكم بما
عقدتم الأيمان ) قال : بما تعمدتم . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه . وأخرج ابن مردويه عن ابن
عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة ، وفى إسناده النضر بن
زرارة بن عبد الكريم الذهلي الكوفي . قال أبو حاتم مجهول ، وذكره ابن حبان في الثقات . وقد تقدم حديث
ابن عباس وتضعيفه . وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : كنا نعطى في كفارة اليمين بالمد الذي
نقتات به : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن
الخطاب قال : إني أحلف لا أعطى أقواما ، ثم يبدو لي فأعطيهم ، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا من
شعير أو صاعا من تمر أو نصف صاع من قمح . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير
وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف
صاع من حنطة . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله . وأخرج عنه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق قال : في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين .
فتح القدير — صفحة 72
مساهمون: الشوكاني
ص٧٢