خلاف في ذلك ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ما نزل إليهم ، وقال لهم في غير موطن : هل
بلغت ؟ فيشهدون له بالبيان ، فجزاه الله عن أمته خيرا ، ثم إن الله سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعا لمن يظن
أنه حامل على كتم البيان ، وهو خوف لحوق الضرر من الناس ، وقد كان ذلك بحمد الله فإنه بين لعباد الله ما نزل
إليهم على وجه التمام ، ثم حمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعا أو كرها وقتل صناديد الشرك
وفرق جموعهم وبدد شملهم ، وكانت كلمة الله هي العليا ، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل
حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم
فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس ، إن قام
ببيان حجج الله وإيضاح براهينه ، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة ،
وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله وشدة شكيمة في القيام
بحجة الله ، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو
خيالات مختلة وتوهمات باطلة ، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة ، لأنها لا تأتى إلا بخير في الأولى
والأخرى - إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد - . قوله ( إن الله لا يهدى القوم
الكافرين ) جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة : أي إن الله لا يجعل لهم سبيلا إلى الإضرار بك ، فلا تخف وبلغ
ما أمرت بتبليغه .
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : لما نزلت ( بلغ ما أنزل إليك
من ربك ) قال : يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع ؟ يجتمع على الناس ، فنزلت ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا
وعرفت أن الناس مكذبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني ، فأنزلت ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) يعنى إن كتمت آية مما
أنزل إليك لم تبلغ رسالته . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت
هذه الآية ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم في علي بن
أبي طالب رضي الله عنه . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله
يعصمك من الناس ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إن
ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس ، فقال : ألم تعلم أن الله قال
( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوداء في بيضاء .
وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل : أي آية
أنزلت من السماء أشد عليك ؟ فقال : كنت بمنى أيام موسم ، فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم ،
فأنزل علي جبريل فقال ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ) الآية ، قال : فقمت عند العقبة فناديت يا أيها الناس
من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة ، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم . تفلحوا
وتنجحوا ولكم الجنة ، قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون في وجهي
ويقولون : كذب صابئ ، فعرض علي عارض فقال : يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم
فتح القدير — صفحة 60
مساهمون: الشوكاني
ص٦٠