وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك بن مزاحم نحوه ، وقد وردت
أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا حاجة لنا في بسطها هنا .
سورة المائدة الآية ( 64 - 66 )
قوله ( يد الله مغلولة ) اليد عند العرب تطلق على الجارحة ، ومنه قوله تعالى - وخذ بيدك ضغثا - وعلى النعمة ،
يقولون كم يد لي عند فلان ، وعلى القدرة . ومنه قوله تعالى - قل إن الفضل بيد الله - أو على التأييد ، ومنه قوله
صلى الله عليه وآله وسلم " يد الله مع القاضي حين يقضى " وتطلق على معان أخر . وهذه الآية هي على طريق التمثيل
كقوله تعالى - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ، ولا
يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف ، ومنه قول الشاعر :
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها * وكل باب من الخيرات مفتوح *
فاستبدلت بعده جعدا أنامله * كأنما وجهه بالخل منضوح
فمراد اليهود هنا عليهم لعائن الله أن الله بخيل ، فأجاب سبحانه عليهم بقوله ( غلت أيديهم ) دعاء عليهم بالبخل ،
فيكون الجواب عليهم مطابقا لما أرادوه بقوله ( يد الله مغلولة ) ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا
أو بالعذاب في الآخرة ، ويقوى المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهوديا ، وإن
كان ماله في غاية الكثرة ، إلا وهو من أبخل خلق الله ، وأيضا المجاز أوفق بالمقام لمطابقته لما قبله . قوله ( ولعنوا بما
قالوا ) معطوف على ما قبله والباء سببية : أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم : ) يد الله مغلولة ) ، ثم رد سبحانه
بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) أي بل هو في غاية ما يكون من الجود ، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد
الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء ، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد
الواحدة ، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام : أي كلا ليس الأمر كذلك ( بل يداه
مبسوطتان ) وقيل المراد بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها الباطنة ، وقيل نعمة المطر والنبات ،
وقيل الثواب والعقاب . وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ " بل يداه بسيطتان " : أي منطلقتان كيف يشاء .
قوله ( ينفق كيف يشاء ) جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه : أي إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته ، فإن شاء
وسع ، وإن شاء قتر ، فهو الباسط القابض ، فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا لشئ آخر ، فإن
فتح القدير — صفحة 57
مساهمون: الشوكاني
ص٥٧