الآية ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت
فيها " . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ( ما كان لأهل المدينة ) قال هذا حين كان الإسلام
قليلا لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما كثر الإسلام وفشا قال الله ( وما كان
المؤمنون لينفروا كافة ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وإبراهيم بن محمد الفزاري
وعيسى بن يونس السبيعي أنهم قالوا في قوله تعالى ( ولا ينالون من عدو نيلا ) قالوا : هذه الآية للمسلمين إلى أن
تقوم الساعة .
سورة براءة الآية ( 122 - 123 )
اختلف المفسرون في معنى ( وما كان المؤمنون ليفروا كافة ) فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد .
لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم سرية من الكفار ينفرون جميعا ويتركون المدينة خالية ، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك : أي ما صح
لهم ولا استقام أن ينفروا جميعا ، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك الفرقة ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة .
قالوا : ويكون الضمير في قوله ( ليتفقهوا ) عائدا إلى الفرقة الباقية ، والمعنى : أن الطائفة من هذه الفرقة تخرج إلى
الغزو ، ومن بقي من الفرقة يقفون لطلب العلم ، ويعلمون الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو ، أو يذهبون في طلبه
إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين وينذروا قومهم وقت رجوعهم إليهم .
وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد ، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج
لطلب العلم والتفقه في الدين ، جعله الله سبحانه متصلا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد ، فيكون السفر
نوعين : الأول سفر الجهاد ، والثاني السفر لطلب العلم ، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم
يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر . والفقه : هو العلم بالأحكام الشرعية ، وبما يتوصل به إلى العلم بها
من لغة ونحو وصرف وبيان وأصول . ومعنى ( فلولا نفر ) فهلا نفر ، والطائفة في اللغة الجماعة . وقد جعل الله
سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين ، وإنذار من لم يتفقه . فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين
الصحيحين ، وهما تعلم العلم وتعليمه ، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين ، فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض
ديني ، فهو كما قلت :
وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس * كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس
ومعنى ( لعلهم يحذرون ) الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب فعله فيترك . أو فيما يجب تركه
فيفعل ، ثم أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار ، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة
والجهاد واجب لكل الكفار ، وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم ، ثم الأقرب فالأقرب ، ثم
أخبرهم الله بما يقوي عزائمهم ويثبت أقدامهم فقال ( واعلموا أن الله مع المتقين ) أي بالنصرة لهم وتأييدهم على عدوهم
ومن كان الله معه لم يقم له شئ .
فتح القدير — صفحة 416
مساهمون: الشوكاني
ص٤١٦