منهم ( إن الله هو التواب ) أي الكثير القبول لتوبة التائبين ، ( الرحيم ) أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده . قوله
( وكونوا مع الصادقين ) هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل
لهم بالصدق ما حصل من توبة الله ، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم .
وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) قال : نزلت حين
أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى . قال : لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ، ولكن ما كان الله
ليعذب قوما بذنب أذنبوه ( حتى يبين لهم ما يتقون ) قال : حتى ينهاهم قبل ذلك . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير
وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة ، وفي بيانه
طاعته ومعصيته غامض ما فعلوا أو تركوا . وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن
مردويه وأبو نعيم والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب : حدثنا من شأن ساعة
العسرة ، فقال : خرجنا مع رسول الله إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا
ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق :
يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء ، فأهطلت ثم
سكبت ، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة
هي غزوة تبوك . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن منده وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن
عبد الله في قوله ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكلهم
من الأنصار . وأخرج ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس مثله . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن كعب بن
مالك قال : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني
كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد عير
قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة
العقبة حين توافقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر منها في الناس وأشهر ، ثم
ذكر القصة الطويلة المشهورة في كتب الحديث والسير ، وهي معلومة عند أهل العلم فلا نطول بذكرها . وأخرج
ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال : يعني خلفوا عن التوبة لم يتب
عليهم حين تاب الله على أبي لبابة وأصحابه . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر
عن عكرمة نحوه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع في قوله ( وكونوا مع الصادقين ) قال :
نزلت في الثلاثة الذين خلفوا ، قيل لهم كونوا مع محمد وأصحابه . وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله
( وكونوا مع الصادقين ) قال : مع أبي بكر وعمر . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن
الضحاك في الآية قال : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : مع علي بن
أبي طالب . وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر قال : مع الثلاثة الذين خلفوا .
فتح القدير — صفحة 414
مساهمون: الشوكاني
ص٤١٤