القرى العربية فهو عربي ، ومن نزل البادية فهو أعرابي ، ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب .
وإنما هم عرب . قال : قيل إنما سمى العرب عربا لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشئوا بالعرب ، وهي من تهامة
فنسبوا إلى بلدهم ، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم ، وقيل لأن ألسنتهم معربة عما في
ضمائرهم ، ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة انتهى ( وأجدر ) معطوف على أشد ، ومعناه أخلق ، يقال فلان
جدير بكذا : أي خليق به ، وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدر أو جديرون ، وأصله من جدر الحائط ،
وهو رفعه بالبناء . والمعنى : أنهم أحق وأخلق ب ( أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ) من الشرائع والأحكام ، لبعدهم
عن مواطن الأنبياء وديار التنزيل ( والله عليم ) بأحوال مخلوقاته على العموم ، وهؤلاء منهم ( حكيم ) فيما يجازيهم
به من خير وشر . قوله ( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ) هذا تنويع لجنس إلى نوعين ، الأول هؤلاء
والثاني ( ومن الأعراب من يؤمن بالله ) والمغرم الغرامة والخسران ، وهو ثاني مفعولي يتخذ ، لأنه بمعنى الجعل ،
والمعنى : اعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران ، وأصل الغرم والغرامة ما ينفقه الرجل وليس بلازم
له في اعتقاده ولكنه ينفقه للرياء والتقية ، وقيل أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له
النفس . و ( الدوائر ) جمع دائرة ، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية ، وأصلها ما يحيط بالشيء ، ودوائر
الزمان : توبه وتصاريفه ودوله ، وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه ، ثم دعا سبحانه عليهم قوله ( عليهم دائرة
السوء ) وجعل ما دعا به عليهم مماثلا لما أرادوه بالمسلمين ، والسوء بالفتح عند جمهور القراء مصدر أضيفت إليه
الدائرة للملابسة كقولك رجل صدق . وقرأ أبو عمرو وابن كثير بضم السين ، وهو المكروه . قال الأخفش :
أي عليهم دائرة الهزيمة والشر . وقال الفراء ( عليهم دائرة السوء ) العذاب والبلاء . قال : والسوء بالفتح مصدر
سؤته سوءا ومساءة ، وبالضم اسم لا مصدر ، وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه ( والله سميع ) لما يقولونه ( عليم )
بما يضمرونه . قوله ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ) هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما تقدم :
أي يصدق بهما ( ويتخذ ما ينفق ) أي يجعل ما ينفقه في سبيل الله ( قربات ) وهي جمع قربة ، وهي ما يتقرب به
إلى الله سبحانه ، تقول منه قربت لله قربانا ، والجمع قرب وقربات . والمعنى : أنه يجعل ما ينفقه سببا لحصول
القربات ( عند الله و ) سببا ل ( صلوات الرسول ) أي لدعوات الرسول لهم ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو
للمتصدقين ، ومنه قوله ( وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ) ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم صل
على آل أبي أوفى " ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقربا إلى الله مقبول واقع على الوجه الذي
أرادوه فقال ( ألا إنها قربة لهم ) فأخبر سبحانه بقبولها خبرا مؤكدا باسمية الجملة وحرفي التنبيه والتحقيق ، وفي هذا
من التطييب لخواطرهم والتطمين لقلوبهم ما لا يقادر قدره مع ما يتضمنه من النعي على من يتخذ ما ينفق مغرما ،
والتوبيخ له بأبلغ وجه ، والضمير في إنها راجع إلى " ما " في ما ينفق وتأنيثه باعتبار الخبر . وقرأ نافع ، في رواية عنه
" قربة " بضم الراء ، وقرأ الباقون بسكونها تخفيفا ، ثم فسر سبحانه القربة بقوله ( سيدخلهم الله في رحمته ) والسين
لتحقيق الوعد .
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( قد نبأنا الله من أخباركم ) قال : أخبرنا أنكم لو
خرجتم ما زدتمونا إلا خبالا ، وفي قوله ( فأعرضوا عنهم ) قال : لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال
للمؤمنين لا تكلموهم ولا تجالسوهم ، فأعرضوا عنهم كما أمر الله . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( لتعرضوا
عنهم ، قال : لتجاوزوا عنهم . وأخرج أبو الشيخ عنه في قوله ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) قال : من منافقي
فتح القدير — صفحة 396
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩٦