وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأسارى
يوم بدر " إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء . واستشهد منكم بعدتهم . فكان آخر السبعين
ثابت بن قيس استشهد باليمامة " . وأخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة عن عبيدة نحوه . وأخرج الحاكم
وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال : لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسره ، أسره رجل من الأنصار
وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم : إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه ، فقال له عمر : فآتيهم ؟ قال نعم ،
فأتى عمر الأنصار فقال : أرسلوا العباس ، فقالوا : لا والله لا نرسله . فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم رضا ، قالوا : فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضا فخذه ، فأخذه عمر ، فلما صار
في يده قال له : يا عباس أسلم ، فوالله إن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم يعجبه إسلامك ، قال : فاستشار رسول الله أبا بكر فقال أبو بكر : عشيرتك
فأرسلهم ، فاستشار عمر فقال : اقتلهم ، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله ، ( ما كان لنبي
أن يكون له أسرى ) الآية . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( حتى يثخن في الأرض )
يقول حتى يظهروا على الأرض . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : الإثخان هو القتل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد أيضا في الآية قال : ثم نزلت الرخصة بعد ، إن شئت فمن ، وإن
شئت ففاد . وأخرج ابن المنذر عن قتادة ( تريدون عرض الدنيا ) قال : أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وآله
وسلم يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ( تريدون عرض
الدنيا ) قال : الخراج . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( لولا كتاب من الله سبق ) قال : سبق لهم المغفرة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : ما سبق لأهل بدر من السعادة . وأخرج النسائي وابن
مردويه وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية . وأخرج أبو حاتم
وأبو الشيخ عن مجاهد قال : سبق أن لا يعذب أحدا حتى يبين له ويتقدم إليه .
سورة الأنفال الآية ( 70 - 71 )
اختلاف القراء في أسرى والأسارى هو هنا كما سبق في الآية قبل هذه . خاطب الله النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بهذا : أي قل لهؤلاء الأسرى الذين هم في أيديكم أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء ( إن يعلم
الله في قلوبكم خيرا ) من حسن إيمان ، وصلاح نية ، وخلوص طوية ( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) من الفداء : أي
يعوضكم في هذه الدنيا رزقا خيرا منه ، وأنفع لكم ، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة ( ويغفر
لكم ) ذنوبكم ( والله غفور رحيم ) شأنه المغفرة لعباده والرحمة لهم ، ولما ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه
فتح القدير — صفحة 327
مساهمون: الشوكاني
ص٣٢٧