أمر الإله بربطها لعدوه * في الحرب إن الله خير موفق
قال في الكشاف : والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى
المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال انتهى . ومن فسر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب جعل
عطف الخيل من عطف الخاص على العام ، وجملة ( ترهبون به عدو الله وعدوكم ) في محل نصب على الحال
والترهيب التخويف ، والضمير في به عائد إلى " ما " في " ما استطعتم " أو إلى المصدر المفهوم من " وأعدوا " وهو
الإعداد . والمراد بعدو الله وعدوهم هم المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب . قوله ( وآخرين من
دونهم ) معطوف على عدو الله وعدوكم ، ومعنى من دونهم : من غيرهم ، قيل هم اليهود ، وقيل فارس والروم ،
وقيل الجن ، ورجحه ابن جرير . وقيل المراد بالآخرين من غيرهم كل من لا تعرف عداوته قاله السهيلي . وقيل
هم بنو قريظة خاصة ، وقيل غير ذلك ، والأولى الوقف في تعيينهم لقوله ( لا تعلمونهم الله يعلمهم ) . قوله ( وما
تنفقوا من شئ في سبيل الله ) أي في الجهاد وإن كان يسيرا حقيرا ( يوف إليكم ) جزاؤه في الآخرة ، فالحسنة بعشرة
أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قررناه سابقا ( وأنتم لا تظلمون ) في شئ من هذه النفقة التي
تنفقونها في سبيل الله : أي من ثوابها بل يصير ذلك إليكم وافيا وافرا كاملا - وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من
لدنه أجرا عظيما - أنى لا أضيع عمل عامل منكم - .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : نزلت ( إن شر الدواب عند الله ) الآية في ستة رهط من اليهود
فيهم ابن تابوت . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( الذين عاهدت
منهم ثم ينقضون عهدهم ) قال : قريظة يوم الخندق ما لئوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعداءه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فشرد بهم من خلفهم ) قال : نكل بهم من بعدهم
وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : نكل بهم من وراءهم . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم
وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في الآية قال : أنذر بهم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
عن قتادة قال : عظ بهم من سواهم من الناس . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : أخفهم بهم . وأخرج ابن
أبي حاتم عن السدي في قوله ( لعلهم يذكرون ) يقول : لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك . وأخرج
أبو الشيخ عن ابن شهاب قال : دخل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : قد وضعت السلاح
وما زلنا في طلب القوم فأخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة ، وأنزل فيهم ( وإما تخافن من قوم خيانة ) الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( إنهم لا يعجزون ) قال : لا يفوتونا . وأخرج أبو الشيخ
وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) قال : الرمي والسيوف والسلاح . وأخرج
ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير في قوله ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) قال : أمرهم
بإعداد الخيل . وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عكرمة في الآية قال : القوة ذكور الخيل ، والرباط
الإناث . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد مثله . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في الآية
قال : القوة الفرس إلى السهم فما دونه . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : القوة
الحصون . و ( من رباط الخيل ) قال : الإناث . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم
وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ترهبون به عدو الله وعدوكم ) قال : تخزون به عدو الله وعدوكم . وقد ورد
في استحباب الرمي وما فيه من الأجر أحاديث كثيرة ، وكذلك ورد في استحباب اتخاذ الخيل وإعدادها وكثرة
ثواب صاحبها أحاديث لا يتسع المقام لبسطها . وقد أفرد ذلك جماعة من العلماء بمصنفات .
فتح القدير — صفحة 321
مساهمون: الشوكاني
ص٣٢١