سورة الأنفال الآية ( 55 - 59 )
قوله ( إن شر الدواب ) أي شر ما يدب على وجه الأرض ( عند الله ) أي في حكمه ( الذين كفروا ) أي
المصرون على الكفر المتمادون في الضلال ، ولهذا قال ( فهم لا يؤمنون ) أي إن هذا شأنهم لا يؤمنون أبدا ، ولا
يرجعون عن الغواية أصلا ، وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية ودخولهم في جنس
غير الناس من أنواع الحيوان لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم . قوله ( الذين عاهدت منهم ) بدل من الذين كفروا أو
عطف بيان أو في محل نصب على الذم . والمعنى : أن هؤلاء الكافرين الذين هم شر الدواب عند الله هم هؤلاء الذين
عاهدت منهم : أي أخذت منهم عهدهم ( ثم ) هم ( ينقضون عهدهم ) الذي عاهدتهم ( في كل مرة ) من مرات
المعاهدة ( و ) الحال أن ( هم ) لا يتقون ) النقض ولا يخافون عاقبته ولا يتجنبون أسبابه ، وقيل إن " من " في قوله ( منهم )
للتبعيض ، ومفعول عاهدت محذوف : أي الذين عاهدتهم ، وهم بعض أولئك الكفرة : يعني الأشراف منهم ،
وعطف المستقبل وهو ثم ينقضون على الماضي ، وهو عاهدت للدلالة على استمرار النقض منهم ، وهؤلاء هم
قريظة ، عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك كما سيأتي ، ثم أمر رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشدة والغلظة عليهم ، فقال ( فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ) أي
فإما تصادفنهم في ثقاف وتلقاهم في حالة تقدر عليهم فيها وتتمكن من غلبهم ( فشرد بهم من خلفهم ) أي ففرق
بقتلهم والتنكيل بهم من خلفهم من المحاربين لك من أهل الشرك حتى يهابوا جانبك ويكفوا عن حربك مخافة أن
ينزل بهم ما نزل بهؤلاء . والثقاف في أصل اللغة : ما يشد به القناة أو نحوها ومنه قول النابغة :
تدعو قعيبا وقد غص الحديد بها * غص الثقاف على ضم الأنابيب
يقال ثقفته : وجدته . وفلان ثقف : سريع الوجود لما يحاوله ، والتشريد : التفريق مع الاضطراب . وقال
أبو عبيدة ( شرد بهم ) سمع بهم . وقال الزجاج : افعل بهم فعلا من القتل تفرق به من خلفهم ، يقال شردت بني
فلان : قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها ، قال الشاعر :
أطوف في الأباطح كل يوم * مخافة أن يشردني حكيم
ومنه شرد البعير : إذا فارق صاحبه ، وروى عن ابن مسعود أنه قرأ ( فشرذ بهم ) بالذال المعجمة . قال
قطرب : التشريذ بالذال المعجمة هو التنكيل ، وبالمهملة هو التفريق . وقال المهدوي : الذال المعجمة لا وجه لها
إلا أن تكون بدلا من الدال المهملة لتقاربهما . قال : ولا يعرف فشبرذ في اللغة ، وقرئ ( من خلفهم ) بكسر الميم
فتح القدير — صفحة 319
مساهمون: الشوكاني
ص٣١٩