سورة الأعراف الآية ( 153 - 154 )
الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم ، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب ، والذلة هي
التي ضربها الله عليهم بقوله - ضربت عليهم الذلة - ، وقيل هي إخراجهم من ديارهم ، وقيل هي الجزية ، وفيه
نظر لأنها لم تؤخذ منهم ، وإنما أخذت من ذراريهم . والأولى أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا لقوله ( في الحياة
الدنيا ) وإن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلها لا لمن بعدهم من ذراريهم ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب
من الله عليهم ، وبه يصيرون أذلاء ، وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم ، وبه يصبرون أذلاء
وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا يصح تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي ، وهو لم
يتعذر هنا ( وكذلك نجزى المفترين ) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين ، والافتراء الكذب ، فمن افترى على
الله سيناله من الله غضب وذلة في الحياة الدنيا . وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء ، بل المراد ما يصدق عليه
أنه من غضب الله سبحانه وأن فيه ذلة بأي نوع كان ( والذين عملوا السيئات ) أي سيئة كانت ( ثم تابوا ) عنها
( من بعد ) عمل ( ها وآمنوا ) بالله ( إن ربك من بعدها ) أي من بعد هذه التوبة ، أو من بعد عمل هذه السيئات التي
قد تاب عنها فاعلها وآمن بالله ( لغفور رحيم ) أي كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم . قوله ( ولما سكت
عن موسى الغضب ) أصل السكوت السكون والإمساك ، يقال جرى الوادي ثلاثا ثم سكن : أي أمسك عن
الجري : قيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ، ويقول له قل لقومك كذا وألق الألواح وجر برأس
أخيك فترك الاغراء وسكت ، وقيل هذا الكلام فيه قلب ، والأصل سكت موسى عن الغضب كقولهم أدخلت
الأصبع الخاتم ، والخاتم بن الأصبع ، وأدخلت القلنسوة رأسي . ورأسي القلنسوة . وقرأ معاوية بن قرة " ولما سكن
عن موسى الغضب " وقرئ سكت وأسكت ( أخذ الألواح ) التي ألقاها عند غضبه ( وفى نسختها هدى ورحمة
النسخ نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر ، ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة وللمنقول نسخة أيضا . قال
القشيري . والمعنى ( وفى نسختها ) : أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة ( هدى ورحمة )
وقيل المعنى : وفيما نسخ له منها : أي من اللوح المحفوظ ، وقيل المعنى : وفيما كتب له فيها هدى ورحمة ، فلا يحتاج
إلى أصل ينقل عنه ، وهذا كما يقال أنسخ ما يقول فلان : أي أثبته في كتابك والنسخة فعلة ، بمعنى مفعولة كالخطبة .
والهدى ما يهتدون به من الأحكام ، والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة ، واللام في
( للذين هم ) متعلقة بمحذوف : أي كائنة لهم أو لأجلهم ، واللام في ( لربهم يرهبون ) للتقوية للفعل لما كان مفعوله
متقدما عليه فإنه يضعف بذلك بعض الضعف . وقد صرح الكسائي بأنها زائدة . وقال الأخفش : هي لام الأجل
أي لأجل ربهم يرهبون . وقال محمد بن يزيد المبرد : هي متعلقة بمصدر الفعل المذكور ، والتقدير : للذين هم
رهبتهم لربهم يرهبون .
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال : تلا أبو قلابة
هذه الآية ( إن الذين اتخذوا العجل ) إلى قوله ( وكذلك نجزى المفترين ) قال : هو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم
القيامة أن يذله الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أعطى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد ،
فتح القدير — صفحة 250
مساهمون: الشوكاني
ص٢٥٠