سورة الأعراف الآية ( 63 - 64 )
لما بين سبحانه كمال قدرته وبديع صنعته في الآيات السابقة ذكر هنا أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار
ووعيدهم ، لتنبيه هذه الأمة على الصواب ، وأن لا يقتدوا بمن خالف الحق من الأمم السالفة . واللام جواب قسم
محذوف . وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم ، وقد تقدم ذكر نوح في آل عمران فأغنى عن الإعادة هنا ،
وما قيل من أن إدريس قبل نوح ، فقال ابن العربي : إنه وهم . قال المازري : فإن صح ما ذكره المؤرخون كان
محمولا على أن إدريس كان نبيا غير مرسل ، وجملة ( فقال يا قوم اعبدوا الله ) استئنافية جواب سؤال مقدر . قوله
( ما لكم من إله غيره ) هذه الجملة في حكم العلة لقوله ( اعبدوا ) أي اعبدوه لأنه لم يكن لكم إله غيره حتى يستحق
منكم أن يكون معبودا . قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة وابن كثير وابن عامر برفع غيره على أنه نعت لإله على
الموضع . وقرأ الكسائي بالخفض في جميع القرآن على أنه نعت على اللفظ . وأجاز الفراء والكسائي النصب على
الاستثناء : يعني ما لكم من إله إلا إياه . وقال أبو عمرو : ما أعرف الجر ولا النصب ، ويرده أن بعض بني أسد
ينصبون " غير " في جميع الأحوال ، ومنه قول الشاعر :
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أرقال
وجملة ( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) جملة متضمنة لتعليل الأمر بالعبادة : أي إن لم تعبدوه فإني أخاف
عليكم عذاب يوم القيامة أو عذاب يوم الطوفان . قوله ( قال الملأ من قومه ) جملة استئنافية جواب سؤال مقدر ،
والملأ أشراف القوم ورؤساؤهم ، وقيل هم الرجال ، وقد تقدم بيانه في البقرة ، والضلال : العدول عن طريق
الحق والذهاب عنه : أي إنا لنراك في دعائك إلى عبادة الله وحده في ضلال عن طريق الحق ، وجملة ( قال يا قوم )
استئنافية أيضا جواب سؤال مقدر ( ليس بي ضلالة ) كما تزعمون ( ولكني رسول من رب العالمين ) : أرسلني
إليكم لسوق الخير إليكم ودفع الشر عنكم ، نفى عن نفسه الضلالة ، وأثبت لها ما هو أعلى منصبا وأشرف رفعة
وهو أنه رسول الله إليهم ، وجملة ( أبلغكم رسالات ربي ) في محل رفع على أنها صفة لرسول ، أو هي مستأنفة
مبينة لحال الرسول . والرسالات : ما أرسله الله به إليهم مما أوحاه إليه ( وأنصح لكم ) عطف على ( أبلغكم ) يقال
نصحته ونصحت له ، وفى زيادة اللام دلالة على المبالغة في إمحاض النصح . قال الأصمعي : الناصح : الخالص
من الغل ، وكل شئ خلص فقد نصح ، فمعنى أنصح هنا : أخلص النية لكم عن شوائب الفساد ، والاسم النصيحة
وجملة ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) معطوفة على الجملة التي قبلها مقررة لرسالته ومبينة لمزيد علمه . وأنه يختص
بعلم الأشياء التي لا يعلمونها بإخبار الله له بذلك . قوله ( أو عجبتم ) فتحت الواو لكونها العاطفة ودخلت عليها همزة
الاستفهام للإنكار عليهم . والمعطوف عليه مقدر : كأنه قيل استبعدتم وعجبتم أو أكذبتم وعجبتم أو أنكرتم وعجبتم
( أن جاءكم ذكر من ربكم ) أي وحي وموعظة ( على رجل منكم ) أي على لسان رجل منكم تعرفونه ، ولم يكن
ذلك على لسان من لا تعرفونه أو لا تعرفون لغته ، وقيل على بمعنى مع : أي مع رجل منكم لأجل ينذركم به ( ولتتقوا )
ما يخالفه ( ولعلكم ترحمون ) بسبب ما يفيده الإنذار لكم والتقوى منكم من التعرض لرحمة الله سبحانه لكم ورضوانه
عنكم ( فكذبوه ) أي فبعد ذلك كذبوه ولم يعملوا بما جاء به من الإنذار ( فأنجيناه والذين معه ) من المؤمنين به
فتح القدير — صفحة 216
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٦