والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية ( ولنسألن المرسلين ) أي الأنبياء الذين بعثهم الله : أي
نسألهم عما أجاب به أممهم عليهم ومن أطاع منهم ومن عصى ، وقيل المعنى : فلنسألن الذين أرسل إليهم : يعني
الأنبياء ، ولنسألن المرسلين : يعني الملائكة ، ولا يعارض هذا قول الله سبحانه - ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون -
لما قدمنا غير مرة أن الآخرة مواطن ، ففي موطن يسألون ، وفي موطن لا يسألون ، وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره
التعارض بأن أثبت تارة ونفى أخرى بالنسبة إلى يوم القيامة ، فإنه محمول على تعدد المواقف مع طول ذلك اليوم
طولا عظيما ( فلنقصن عليهم بعلم ) أي على الرسل والمرسل إليهم ما وقع بينهم عند الدعوة منهم لهم بعلم لا بجهل :
أي عالمين بما يسرون وما يعلنون ( وما كنا غائبين ) عنهم في حال من الأحوال حتى يخفى علينا شئ مما وقع بينهم .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن
النجار في تاريخه عن ابن عباس في قوله ( المص ) قال : أنا الله أفصل . وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير
مثله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن هذا ونحوه من فواتح السور قسم أقسم الله
به ، وهي من أسماء الله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( المص ) قال : هو المصور . وأخرج
ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في قوله ( المص ) قال : الألف من الله والميم من الرحمن والصاد
من الصمد . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال معناه أنا الله الصادق ، ولا يخفى عليك أن هذا كله قول بالظن
وتفسير بالحدس ، ولا حجة في شئ من ذلك ، والحق ما قدمنا في فاتحة سورة البقرة . وأخرج عبد بن حميد وابن
أبي حاتم عن ابن عباس ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) قال : الشك ، وقال لأعرابي : ما الحرج فيكم ؟ قال :
اللبس . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : ضيق . وأخرج
ابن أبي حاتم عن ابن مسعود : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم ، ثم قرأ ( فما كان دعواهم ) الآية . وأخرجه
ابن جرير عنه مرفوعا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ( فلنسألن الذين أرسل
إليهم ولنسألن المرسلين ) قال : نسأل الناس عما أجابوا المرسلين ونسأل المرسلين عما بلغوا ، فلنقصن عليهم بعلم ،
قال : بوضع الكتاب يوم القيامة فنتكلم بما كانوا يعملون . وأخرج عبد بن حميد عن فرقد في الآية قال : أحدهما
الأنبياء ، وأحدهما الملائكة . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : نسأل الناس عن قول لا إله إلا الله
ونسأل جبريل .
سورة الأعراف الآية ( 8 - 13 )
فتح القدير — صفحة 189
مساهمون: الشوكاني
ص١٨٩