يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء . وقرأ النخعي " يصاعد " وأصله يتصاعد . وقرأ الباقون " يصعد " بالتشديد
وأصله يتصعد ، ومعناه : يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء . وقيل المعنى على
جميع القراءات : كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا على الإسلام ، وما في " كأنما " هي المهيئة لدخول كأن على الجمل
الفعلية . قوله ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) : أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقا
حرجا يجعل الله الرجس . والرجس في اللغة : النتن ، وقيل هو العذاب ، وقيل هو الشيطان يسلطه الله عليهم ،
وقيل هو ما لا خير فيه ، والمعنى الأول هو المشهور في لغة العرب ، وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة وهو
يصدق على جميع المعاني المذكورة . والإشارة بقوله ( وهذا صراط ربك ) إلى ما عليه النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ومن معه من المؤمنين : أي هذا طريق دين ربك لا اعوجاج فيه ، وقيل الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على
التوفيق والخذلان : أي هذا هو عادة الله في عبادته يهدى من يشاء ويضل من يشاء ، وانتصاب ( مستقيما ) على
الحال كقوله تعالى - وهو الحق مصدقا ، وهذا بعلي شيخا - ( قد فصلنا الآيات ) أي بيناها وأوضحناها ( لقوم
يذكرون ) ما فيها ويتفهمون معانيها ( لهم دار السلام عند ربهم ) أي لهؤلاء المتذكرين الجنة لأنها دار السلامة من
كل مكروه ، أو دار الرب السلام مدخرة لهم عند ربهم يوصلهم إليها ( وهو وليهم ) أي ناصرهم ، والباء في ( بما
كانوا يعملون ) للسببية : أي بسبب أعمالهم . قوله ( ويوم نحشرهم جميعا ) الظرف منصوب بمضمر يقدر متقدما :
أي واذكر يوم نحشرهم أو ( ويوم نحشرهم ) نقول ( يا معشر الجن ) ، والمراد حشر جميع الخلق في القيامة ، والمعشر
الجماعة : أي يوم الحشر نقول ، يا جماعة الجن ( قد استكثرتم من الإنس ) أي من الاستمتاع بهم كقوله ( ربنا
استمتع بعضنا ببعض ) وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا في حكم الأتباع لكم فحشرناهم معكم ،
ومثله قولهم : استكثر الأمير من الجنود ، والمراد التقريع والتوبيخ ، وعلى الأول فالمراد بالاستمتاع التلذذ من الجن
بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيها يريدون منهم ( وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ) أما استمتاع
الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم ، وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي
فوقعوا فيها وتلذذوا بها ، فذلك هو استمتاعهم بالجن ، وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر الرجل بواد
في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر ، يعني ربه من الجن ، ومنه قوله تعالى
- وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا - وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا
يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة ، واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من
الأكاذيب وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا كالكهان ( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) أي يوم القيامة اعترافا
منهم بالوصول إلى ما وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به . ولما قالوا هذه المقالة أجاب الله عليهم ف ( قال النار
مثواكم ) أي موضع مقامكم . والمثوى المقام ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر . قوله ( خالدين فيها إلا
ما شاء الله ) المعنى الذي تقتضيه لغة العرب في هذا التركيب أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات إلا في الوقت
الذي يشاء الله عدم بقائهم فيها . وقال الزجاج إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة أي خالدين في النار إلا ما شاء
الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب ، وهو تعسف ، لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم
ولا يصدق على من لم يدخل النار ، وقيل الاستثناء راجع إلى النار : أي إلا ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها في بعض
الأوقات كالزمهرير ، وقيل الاستثناء لأهل الإيمان ، وما بمعنى من : أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا يدخل النار ،
وقيل المعنى : إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب . وكل هذه التأويلات متكلفة ، والذي ألجأ إليها
ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من خلود الكفار في النار أبدا ، ولكن لا تعارض بين عام وخاص
فتح القدير — صفحة 161
مساهمون: الشوكاني
ص١٦١