من الشاكرين ) لك على ما أنعمت به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد . قوله ( قل الله ينجيكم منها ومن كل
كرب ) قرأ الكوفيون وهشام ( ينجيكم ) بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف . وقراءة التشديد تفيد التكثير ، وقيل
معناهما واحد ، والضمير في ( منها ) راجع إلى الظلمات . والكرب : الغم يأخذ بالنفس . ومنه رجل مكروب ،
قال عنترة :
ومكروب كشفت الكرب عنه * بطعنة فيصل لما دعاني
( ثم أنتم تشركون ) بالله سبحانه بعد أن أحسن إليك بالخلوص من الشدائد وذهاب الكروب شركاء لا ينفعونكم
ولا يضرونكم ولا يقدرون على تخليصكم من كل ما ينزل بكم ، فكيف وضعتم هذا الشرك موضع ما وعدتم به
من أنفسكم من الشكر ؟ ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم ( هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ) أي الذي قدر على
إنجائكم من تلك الشدائد ودفع عنكم تلك الكروب قادر على أن يعيدكم في شدة ومحنة وكرب يبعث عذابه عليكم
من كل جانب . فالعذاب المبعوث من جهة الفوق : ما ينزل من السماء من المطر والصواعق . والمبعوث من تحت
الأرجل : الخسف والزلازل والغرق . وقيل ( من فوقكم ) يعني الأمراء الظلمة ( ومن تحت أرجلكم ) يعني السفلة
وعبيد السوء . قوله ( أو يلبسكم شيعا ) قرأ الجمهور بفتح التحتية ، من لبس الأمر : إذا خلطه ، وقرأ أبو عبد الله
المديني بضمها : أي يجعل ذلك لباسا لكم ، قيل والأصل : أو يلبس عليكم أمركم ، فحذف أحد المفعولين مع
حرف الجر كما في قوله تعالى - وإذا كالوهم أو وزنوهم - والمعنى : يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي النحل متفرقي
الآراء . وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا . والشيع : الفرق ، أي يخلطكم فرقا . قوله ( ويذيق بعضكم بأس
بعض ) أي يصيب بعضكم بشدة بعض من قتل وأسر ونهب ( ويذيق ) معطوف على ( يبعث ) ، وقرئ ( نذيق )
بالنون ( انظر كيف نصرف الآيات ) نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة ( لعلهم يفقهون ) الحقيقة
فيعودون إلى الحق الذي بيناه لهم بيانات متنوعة .
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( قل من ينجيكم
من ظلمات البر والبحر ) يقول : من كرب البر والبحر . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير الآية عن
ابن عباس قال : يقول إذا أضل الرجل الطريق دعا الله لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين . وأخرج ابن
جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال : يعني
من أمرائكم ( أو من تحت أرجلكم ) يعني سفلتكم ( أو يلبسكم شيعا ) يعني بالشيع الأهواء المختلفة ( ويذيق بعضكم
بأس بعض ) قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه
من وجه آخر في تفسير الآية قال ( عذابا من فوقكم ) أئمة السوء ( أو من تحت أرجلكم ) قال : خدم السوء .
وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا من وجه آخر قال ( من فوقكم ) من قبل أمرائكم وأشرافكم أو من تحت أرجلكم )
قال : من قبل سفلتكم وعبيدكم . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مالك ( عذابا من فوقكم ) قال :
القذف ( أو من تحت أرجلكم ) قال : الخسف . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد
أيضا ( من فوقكم ) قال : الصيحة والحجارة والريح ( أو من تحت أرجلكم ) قال : الرجفة والخسف ، وهما
عذاب أهل التكذيب ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : عذاب أهل الاقرار . وأخرج البخاري وغيره عن جابر
ابن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله صلى
فتح القدير — صفحة 126
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٦