مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم . قوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) المفاتح جمع مفتح
بالفتح : وهو المخزن : أي عنده مخازن الغيب . جعل للأمور الغيبية مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة ، أو
جمع مفتح بكسر الميم ، وهو المفتاح ، جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق
الاستعارة أيضا ، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميفع ( وعنده مفاتيح الغيب ) فإن المفاتيح جمع مفتاح
والمعنى : إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب ، أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن . وقوله ( لا يعلمها إلا هو )
جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى ، وأنه لا علم لأحد من خلقه بشئ من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها ،
ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجا أوليا . وفى هذه الآية
الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم ، ولا يدخل تحت
قدرتهم ولا يحيط به علمهم ، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة
ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم
" من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد " . قوله ( ويعلم ما في البر والبحر ) خصهما بالذكر لأنهما
من أعظم مخلوقات الله : أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علما مفصلا لا يخفى عليه منه شئ ، أو خصهما لكونهما
أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) أي من ورق الشجر وهو تخصيص
بعد التعميم : أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه ، وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق ، وحكى
النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم ، قال ابن عطية : وهذا قول جار على
طريقة الرموز ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه ( ولا حبة ) كائنة ( في ظلمات الأرض ) أي
في الأمكنة المظلمة ، وقيل في بطن الأرض ( ولا رطب ولا يابس ) بالخفض عطفا على حبة : وهي معطوفة على
ورقة . وقرأ ابن السميفع والحسن وغيرهما بالرفع عطفا على موضع من ورقة ، وقد شمل وصف الرطوبة واليبوسة
جميع الموجودات . قوله ( إلا في كتاب مبين ) هو اللوح المحفوظ ، فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من ( إلا يعلمها )
وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة .
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله ( قل إني على بينة من ربي ) قال : على ثقة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله ( لقضى الأمر بيني وبينكم ) قال :
لقامت الساعة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( وعنده مفاتح الغيب ) قال : يقول خزائن
الغيب . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( وعنده مفاتح الغيب ) قال : هن خمس - إن الله
عنده علم الساعة - إلى قوله - عليم خبير - . وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام
إلا الله . ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله . ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم أحد متى تقوم
الساعة إلا الله " . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس
( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) قال : ما من شجرة من بر ولا بحر إلا وبها ملك يكتب ما يسقط من ورقها .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد نحوه . وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحادة في قوله ( وما تسقط من ورقة ) قال :
لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده ،
فذلك قوله ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله
فتح القدير — صفحة 123
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٣