( قضيتم ) بمعنى فرغتم من صلاة الخوف ، وهو أحد معاني القضاء ، ومثله - فإذا قضيتم مناسككم - فإذا
قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض - . قوله ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) أي في جميع الأحوال حتى
في حال القتال . وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو أثر صلاة الخوف : أي إذا فرغتم من
الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال ، وقيل معنى قوله ( فإذا قضيتم الصلاة ) إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا
أو على جنوبكم حسبما يقتضيه الحال عند ملاحمة القتال ، فهي مثل قوله - فإن خفتم فرجالا أو ركبانا - . قوله ( فإذا
اطمأننتم ) أي أمنتم وسكنت قلوبكم ، والطمأنينة : سكون النفس من الخوف ( فأقيموا الصلاة ) أي فأتوا بالصلاة
التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان ولا تفعلوا ما أمكن ، فإن ذلك إنما هو في حال الخوف ،
وقيل المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسايفة ، لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان
وهو مروي عن الشافعي ، والأول أرجح ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) أي محدودا معينا ، يقال
وقته فهو موقوت ووقته فهو موقت . والمعنى : إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة
لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما . قوله ( ولا تهنوا في ابتغاء
القوم ) أي لا تضعفوا في طلبهم وأظهروا القوة والجلد . قوله ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) تعليل
للنهي المذكور قبله : أي ليس ما تجدونه من ألم الجراح ومزاولة القتال مختصا بكم ، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم
فليسوا بأولى منكم بالصبر على حر القتال ومرارة الحرب ، ومع ذلك فلكم عليهم مزية لا توجد فيهم ، وهي أنكم
ترجون من الله من الأجر وعظيم الجزاء ما لا يرجونه لكفرهم وجحودهم ، فأنتم أحق بالصبر منهم وأولى بعدم
الضعف منهم ، فإن أنفسكم قوية ، لأنها ترى الموت مغنما ، وهم يرونه مغرما . ونظير هذه الآية قوله تعالى - إن
يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله - وقيل إن الرجاء هنا بمعنى الخوف ، لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع
بحصوله ، فلا يخلو من خوف ما يرجو . وقال الفراء والزجاج : لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف ( إلا مع النفي كقوله
تعالى - ما لكم لا ترجون لله وقارا - أي لا تخافون له عظمة . وقرأ عبد الرحمن الأعرج ( أن تكونوا ) بفتح الهمزة :
أي لأن تكونوا . وقرأ منصور بن المعتمر تيلمون بكسر التاء ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقله .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى
جنوبكم ) قال : بالليل والنهار في البر والبحر وفي السفر والحضر والغنى والفقر والسقم والصحة والسر والعلانية
وعلى كل حال . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه بلغه أن قوما يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ،
فقال : إنما هذه إذا لم يستطيع الرجل أن يصلي قائما صلى قاعدا . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ( فإذا
اطمأننتم ) قال : إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ( فأقيموا الصلاة ) قال : أتموها . وأخرج عبد الرزاق
وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة نحوه . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه أيضا . وأخرج ابن
فتح القدير — صفحة 510
مساهمون: الشوكاني
ص٥١٠