جواب التمني . وقرأ الحسن ( فأفوز ) . قوله ( فليقاتل في سبيل الله ) هذا أمر للمؤمنين وقدم الظرف على
الفاعل للاهتمام به ، و ( الذين يشرون ) معناه يبيعون وهم المؤمنون ، والفاء في قوله ( فليقاتل ) جواب الشرط مقدر
أي إن لم يقاتل هؤلاء المذكورون سابقا الموصوفون بأن منهم لمن ليبطئن ، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم البائعون
للحياة الدنيا بالآخرة ، ثم وعد المقاتلين في سبيل الله بأنه سيؤتيهم أجرا عظيما لا يقادر قدره ، وذلك أنه إذا قتل فاز
بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور ، وإن غلب وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلو
في الدنيا والغنيمة ، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما ، وربما يقال إن التسوية بينهما
إنما هي في إيتاء الأجر العظيم ، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستويا ، فإن كون الشئ عظيما هو من الأمور النسبية
التي يكون بعضها عظيما بالنسبة إلى ما هو دونه وحقيرا بالنسبة إلى ما هو فوقه . قوله ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل
الله ) خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات . قوله ( والمستضعفين ) مجرور عطفا على الاسم الشريف
أي ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم مما هم فيه من الجهد .
ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص : أي وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله ،
واختار الأول الزجاج والأزهري . وقال محمد بن يزيد : أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على
السبيل ، والمراد بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار ، وهم الذين كان يدعو لهم النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فيقول : " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين " كما
في الصحيح . ولا يبعد أن يقال : إن لفظ الآية أوسع ، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله ( الذين
يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) فإنه يشعر باختصاص ذلك : بالمستضعفين الكائنين في مكة لأنه قد
أجمع المفسرون . على أن المراد بالقرية الظالم أهلها مكة . وقوله ( من الرجال والنساء والوالدان ) بيان للمستضعفين .
قوله ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ) هذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره ( والذين
كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) أي سبيل الشيطان أو الكهان أو الأصنام ، وتفسير الطاغوت هنا الشيطان أولى
لقوله ( فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) أي مكره ومكر من اتبعه من الكفار .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فانفروا ثبات ) قال : عصبا ،
يعني سرايا متفرقين ( أو انفروا جميعا ) يعني كلكم . وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي
في سننه عنه قال في سورة النساء ( خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) نسختها - وما كان المؤمنون لينفروا
كافة - . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ( ثبات ) أي فرقا قليلا . وأخرج عن قتادة في قوله
( أو انفروا جميعا ) أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فليس لأحد أن يتخلف عنه . وأخرج ابن جرير وابن
أبي حاتم عن السدي نحوه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( وإن
منكم لمن ليبطئن ) إلى قوله ( فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) ما بين ذلك في المنافقين . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم
عن مقاتل بن حيان في الآية قال : هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين . وأخرج ابن أبي حاتم عن
سعيد بن جبير ( فليقاتل ) يعني يقاتل المشركين ( في سبيل الله ) في طاعة الله ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ) يعني
يقتله العدو ( أو يغلب ) يعني يغلب العدو من المشركين ( فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) يعني جزاء وافرا في الجنة ،
فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في
قوله ( في سبيل الله والمستضعفين ) قال : وفي المستضعفين . وأخرج ابن جرير عن الزهري قال : وسبيل المستضعفين
فتح القدير — صفحة 487
مساهمون: الشوكاني
ص٤٨٧